لآدم ، والتعظيم لشأنه ، وتقديمه عليهم ، وهو قول قتادة ، وجماعة من أهل العلم ،
واختاره علي بن عيسى الرماني . ولهذا جعل أصحابنا ، رضي الله عنهم ، هذه الآية
دلالة على أن الأنبياء أفضل من الملائكة ، من حيث إنه أمرهم بالسجود لآدم ، وذلك
يقتضي تعظيمه وتفضيله عليهم .
وإذا كان المفضول لا يجوز تقديمه على الفاضل علمنا أنه أفضل من الملائكة .
وقال الجبائي ، وأبو القاسم البلخي ، وجماعة : إنه جعله قبلة لهم ، فأمرهم بالسجود
إلى قبلتهم ، وفيه ضرب من التعظيم . وهذا غير صحيح ، لأنه لو كان على هذا
الوجه ، لما امتنع إبليس من ذلك ، ولما استعظمته الملائكة ، وقد نطق القرآن بأن
امتناع إبليس عن السجود إنما هو لاعتقاده تفضيله به ، وتكرمته ، مثل قوله ( أرأيتك
هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن ) ، وقوله : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من
طين ) . ولو لم يكن الأمر على هذا الوجه ، لوجب أن يعلمه الله تعالى بأنه لم يأمره
بالسجود على جهة تعظيمه وتفضيله عليه ، وإنما أمره على الوجه الآخر الذي لا
تفضيل فيه ، ولم يجز إغفال ذلك ، فإنه سبب معصية إبليس وضلالته . فلما لم يقع
ذلك ، علمنا أن الأمر بالسجود له لم يكن إلا على وجه التعظيم والتفضيل ، والإكرام
والتبجيل .
ثم اختلف في إبليس هل كان من الملائكة أم لا ؟ فذهب قوم أنه كان منهم ،
وهو المروي عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وقتادة ، واختاره الشيخ السعيد أبو جعفر
الطوسي ، قدس الله روحه ، قال : وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام ، والظاهر في
تفاسيرنا ، ثم اختلف من قال إنه ( 1 ) من الملائكة ! فمنهم من قال : إنه كان خازنا على
الجنان ، ومنهم من قال : كان له سلطان سماء الدنيا ، وسلطان الأرض ، ومنهم من
قال : إنه كان يسوس ما بين السماء والأرض . وقال الشيخ المفيد ، أبو عبد الله
محمد بن محمد بن النعمان ، قدس الله روحه : إنه كان من الجن ، ولم يكن من
الملائكة ، لمال : وقد جاءت الأخبار بذلك متواترة عن أئمة الهدى عليهم السلام ، وهو
مذهب الإمامية ، وهو المروي عن الحسن البصري ، وهو قول علي بن عيسى
والبلخي وغيره ، واحتجوا على صحة هذا القول بأشياء :
أحدها : قوله تعالى : ( إلا إبليس كان من الجن ) . ومن أطلق لفظ الجن لم
هامش
( 1 ) [ كان ] .