أعشار ( 1 ) ، وأرض أعقال . والمعنى : إن كل ناحية منها كذلك ، فجمع على هذا
المعنى ، جعلهن سبع سماوات مستويات بلا فطور ، ولا أمت . قال علي بن عيسى :
إن السماوات غير الأفلاك ، تتحرك وتدور ، والسماوات لا تتحرك ولا تدور ، لقوله ( إن
الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) وهذا قول ضعيف ، لأن قوله : أن تزولا
معناه : لا تزول عن مراكزها التي تدور عليها ، ولولا إمساكه لزالت عنها .
سؤال : ظاهر قوله تعالى " ثم استوى إلى السماء " يوجب أنه خلق الأرض قبل
السماء ، لأن ( ثم ) للتعقيب والتراخي ، وقوله في سورة أخرى ( والأرض بعد ذلك
دحاها ) بخلافه ، فكيف يجمع بينهما ؟ الجواب : معناه إن الله خلق الأرض قبل
السماء ، غير أنه لم يدحها . فلما خلق السماء دحاها بعد ذلك . ودحوها : بسطها
ومدها ، عن الحسن ، وعمرو بن عبيد . وقد يجوز أيضا أن لا يكون معنى " ثم "
و ( بعد ) في هذه الآيات الترتيب في الأوقات ، وإنما هو على جهة تعداد النعم ،
والتنبيه عليها ، والأذكار لها ، كما يقول القائل لصاحبه : أليس قد أعطيتك ، ثم
رفعت منزلتك ، ثم بعد هذا كله فعلت بك وفعلت . وربما يكون بعض ما ذكره متقدما
في اللفظ كان متأخرا ، لأن المراد لم يكن الإخبار عن أوقات الفعل ، وإنما المراد
التذكير كما ذكره .
وقوله : ( وهو بكل شئ عليم ) ولم يقل قدير ، لأنه لما وصف نفسه بالقدرة
والاستيلاء ، وصل ذلك بالعلم ، إذ بهما يصح وقوع الفعل على وجه الإتقان
والإحكام . وأيضا فإنه أراد أن يبين أنه عالم بما يؤول إليه حاله ، وحال المنعم به
عليه ، فتتحقق بذلك النعمة . وفي هذه الآية دلالة على أن صانع السماء والأرض قادر
وعالم ، وأنه تعالى إنما يفعل الفعل لغرض ، وأن له تعالى على الكفار نعما يجب
شكره عليهم بها . وفيها أيضا دلالة على أن الأصل في الأشياء الإباحة ، لأنه ذكر أنه
خلق ما في الأرض لمنفعة العباد ، ثم صار حظا لكل واحد منهم ، فما يتفرد كل منهم
بالتصرف فيه ، يحتاج إلى دليل .
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل
هامش
( 1 ) وفي نسخنا المطبوعة والمخطوطة : " برمة " وهي بالضم : القدر من الحجارة . ومعنى برمة
أعشار : القدر المكسور على عشر قطع .