إذا قيل : كيف رأيت زيدا ، فتقول : مسرورا ، أو مهموما ، وما أشبه ذلك ،
فتجيب بأحواله ، فكيف ينتظم جميع الأحوال ، كما أن كم ينتظم جميع العدد ،
وما ينتظم جميع الجنس ، وأين ينتظم جميع الأماكن ، ومن ينتظم جميع
العقلاء . ومعناه في الآية : التوبيخ ، وتقديره أمتعلقين بحجة تكفرون ، فيكون
منصوب الموضع على الحال . والعامل فيه ( تكفرون ) . وقال الزجاج : هو
استفهام في معنى التعجب ( 1 ) ، وهذا التعجب إنما هو للخلق ، أو للمؤمنين
أي : أعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون ، وقد ثبتت حجة الله عليهم . ومعنى
وكنتم : وقد كنتم . والواو واو الحال . وإضمار قد جائز إذا كان في الكلام دليل
عليه ، ومثله قوله تعالى ( أو جاؤوكم حصرت صدورهم ) أي : قد حصرت
صدورهم . وهي جملة في موضع الحال ، وإنما وجب إظهار قد في مثل هذا ،
أو تقديرها ، لأن الماضي لا يكون حالا . وقد إنما يكون لتقريب العهد .
ولتقريب الحال ، فبدخوله يصلح أن يكون الفعل الماضي حالا .
المعنى : ثم عاد الله تعالى إلى الإحتجاج على الكفار في إنكارهم
البعث ، وجحودهم لرسله وكتبه ، بما أنعم به عليهم ، فقال ( كيف تكفرون
بالله ) ومن قال هو توبيخ قال : معناه ويحكم كيف تكفرون ؟ كما يقال : كيف
تكفر نعمة فلان وقد أحسن إليك ؟ ومن قال هو تعجب قال : تقديره عجبا منكم
على أي حال يقع منكم الكفر بالله ، مع الدلائل الظاهرة على وحدانيته ،
والمعجزات القاهرة على صدق من اختصه برسالته ، وقيام الحجج الباهرة على
وجوب طاعته ، وشكر نعمته . ثم ذكر سبحانه بعض نعمه عليهم ، فقال
( وكنتم أمواتا فأحياكم ) أي : وحالكم أنكم كنتم أمواتا وفيه وجوه أحدها :
إنهم كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم ، يعني نطفا ، فأحياهم الله ، ثم أماتهم
الموتة التي لا بد منها ، ثم أحياهم بعد الموت ، فهما حياتان وموتتان ، عن
قتادة وثانيها : إن معناه لم تكونوا شيئا فخلقكم ثم يميتكم ، ثم يحييكم يوم
القيامة ، عن ابن عباس ، وابن مسعود وثالثها : إن معناه كنتم أمواتا يعني
خاملي الذكر ، فأحياكم بالظهور ، ثم يميتكم عند تقضي آجالكم ، ثم يحييكم
للبعث . والعرب تسمي كل امرئ خامل ميتا ، وكل امرئ مشهور حيا ، كما
قال أبو نخيلة السعدي :
هامش
( 1 ) وفي نسخنا المخطوطة ( تعجيب ) على بناء التفعيل .