وإنّما أمّر عليهم اسامة وهو ابن سبع عشرة سنة ( 1 ) ليّا لأعنّة البعض ، وردّا لجماح أهل الجماح منهم ، واحتياطا على الأمن في المستقبل من نزاع أهل التنافس لو أمّر أحدهما ، كما لا يخفى ، لكنّهم فطنوا إلى كلّ ما دبّر صلى الله عليه وآله وسلم فطعنوا في تأمير اسامة ، وتثاقلوا عن السير معه ، فلم يبرحوا من الجرف حتّى لحق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بربّه ، فهمّوا حينئذ بإلغاء البعث وحلّ اللواء تارة ، وبعزل اسامة أخرى ، ثمّ تخلّف كثير منهم عن الجيش كما سمعت .
فهذه خمسة أمور في هذه السريّة ، لم يتعبّدوا فيها بالنصوص الجليّة ؛ إيثارا لرأيهم في الأمور السياسيّة ، وترجيحا لاجتهادهم فيها على التعبّد بنصوصه صلى الله عليه وآله وسلم .
ومنها : رزيّة يوم الخميس
وهي من الرزايا الفادحة ، والقضايا الثابتة ، نقلها أهل السير والأخبار ، وأخرجها المحدّثون كافّة بالطرق المجمع على صحّتها . وحسبك منها ما أخرجه البخاري في باب قول المريض : « قوموا عنّي » من كتاب المرضى من صحيحه ( 2 ) بسنده إلى عبيداللّه بن عبداللّه عن ابن عبّاس قال : لمّا حضر رسولاللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب ، قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « هلمّ أكتب لكم كتابا لا تضلّوا ( 3 ) بعده » . فقال عمر : إنّ
شرح
( 1 ) على الأظهر ، وقيل : كان ابن ثمان عشرة سنة ، وقيل : ابن تسع عشرة سنة ، وقيل : ابن عشرين سنة « 1 » . ولا قائل بأنّ عمره كان أكثر من ذلك .
( 2 ) راجع صفحة 5 من الجزء 4 من الصحيح « 2 » .
( 3 ) بحذف النون مجزوما ؛ لكونه جوابا ثانيا لهلمّ .
هامش
( 1 ) - . حكى الأقوال ابن عبد البرّ في الاستيعاب 75 : 1 ، الرقم 21 ؛ والحلبي في سيرته 227 : 3 .
( 2 ) - . صحيح البخاري 2146 : 5 ، ح 5345 .