بيئته التي نشأ فيها :
كانت أسرة ابن أبي الدنيا أسرة خير وفضل ، وبيته بيت علم وصلاح .
فأبوه من العلماء المهتمين بالحديث وروايته ، مما ساهم في نشأته العلمية ،
وتكوينه في وقت مبكر .
فحببته أسرته في العلم والعلماء ، ودفعت به إلى حلق العلم ، فأقرأته القرآن ،
والفقه ، وحببته في سماع الحديث وكتابته ، وبحكم أن والده كان أحد العلماء
فقد مكنه ذلك من السماع من أعلام العصر وحفاظه وسنه دون البلوغ ، ومن
هؤلاء الحفاظ سعيد بن سليمان الواسطي - سعدويه - ( ت 229 ه ) ، وأبو عبيد
القاسم بن سلام وطبقتهم إسنادا عاليا ، وشارك أصحاب الكتب الستة في كثير من
شيوخهم . وقد دلت بعض الروايات على أنه استقل وأخذ يطوف على المشايخ
بنفسه ، وسنه دون العاشرة ( 1 ) .
وبهذه العناية المركزة والمبكرة من أسرة ابن أبي الدنيا ، وبما كان له من الهمة
والإقبال الكبير استطاع أن يجمع علما غزيرا ويتتلمذ على مئات المشايخ من أئمة
العصر وحفاظه . قال الذهبي : " وقد جمع شيخنا أبو الحجاج الحافظ أسماء
شيوخه على المعجم ، وهم خلق كثير " ( 2 ) ، ثم ذكر الذهبي جزءا منهم فبلغ
عددهم أربعة وتسعين شيخا ، وبلغ عدد شيوخه في " كتاب الصمت " وحده أكثر
من مائتي شيخ .
وبهذا تكونت شخصية ابن أبي الدنيا العلمية ، فهو حنبلي المذهب ، سلفي
العقيدة ، زهدي المشرب ، وعمل على بث هذه الروح الأخلاقية الإيمانية ، ورصد
هامش
( 1 ) الخطيب البغدادي - تاريخ بغداد : 10 / 90 ، ابن حجر - تهذيب التهذيب : 6 / 13 ، وانظر
ابن الجوزي - المنتظم : 5 / 148 . وهي رواية إبراهيم الحربي في السماع من عفان بن مسلم
الصفار والمعروف عن عفان أنه اختلط في 219 ه - أي قبل وفاته بعام أو أقل - وقد
تركوا السماع منه بعد اختلاطه ، وسيأتي الكلام عليها في منزلته العلمية .
( 2 ) الذهبي - سير النبلاء : 13 / 397 .