1 - القسم الأول :
إن أول عبارة نقدية نقرؤها - فيما اطلعنا عليه - هي قول الحازمي في
( شروط الأئمة الخمسة ) ص : ( 31 - 32 ) : ( ابن حبان أمكن في الحديث من
الحاكم ) . وبين وفاتيهما ثلاث ومئة سنة .
ثم نقرأ في مقدمة أبي عمرو بن الصلاح المتوفى ( 643 ه )
ص : ( 11 ) بعد وصفه للحاكم بأنه واسع الخطو في شرط الحديث قوله :
( ويقاربه في حكمه صحيح ابن حبان ) .
ويشرح العراقي مراد ابن الصلاح بقوله : ( أراد أنه يقاربه في التساهل ،
فالحاكم أشد تساهلا منه ، وهو كذلك ) . ثم استشهد بقول الحازمي السابق .
ويقول السخاوي في شرح ( ألفية الحديث ) 1 / 35 : ( وابن حبان يداني
الحاكم في التساهل وذلك يقتضي النظر في أحاديثه أيضا ، لأنه غير متقيد
بالمعدلين ، بل ربما يخرج للمجهولين ( 1 ) ولا سيما ومذهبه إدراج الحسن في
هامش
( 1 ) قال النووي في مقدمة شرحه صحيح مسلم 1 / 22 : ( المجهول أقسام : مجهول
العدالة ظاهرا وباطنا ، ومجهولها باطنا مع وجودها ظاهرا وهو المستور ، ومجهول
العين .
فأما الأول فالجمهور على أنه لا يحتج به ، وأما الآخران فاحتج بهما كثيرون من
المحققين ) .
ولكن ما أكثر ما تصافح أعيننا عبارة ( ووثقه ابن حبان على عادته في توثيق
المجاهيل ) ، وأقوال أخرى مثل قول الحافظ ابن حجر في ( لسان الميزان ) 7 / 65 :
( أبو سلمة الجهني ، حدث عنه فضيل بن مرزوق ، لا يدرى من هو .
وقد ذكره ابن حبان في الثقات ، وأخرج حديثه في صحيحه ، وأحمد في مسنده ،
والحاكم في مستدركه ، وتعقبه المؤلف - يعني الذهبي في الميزان - بما ذكره هنا
فقط . . . والحق أنه مجهول الحال ، وابن حبان يذكر أمثاله في الثقات ، ويحتج
به في الصحيح إذا كان ما رواه ليس بمنكر ) .
وقال أيضا في الميزان 1 / 556 ترجمة حفص بن بغيل : ( . . . فإن ابن القطان
يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل - أو أخذ عمن عاصره - ما يدل
على عدالته ، وهذا شيء كثير ، ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون ،
ما ضعفهم أحد ، ولا هم بمجاهيل ) .
وقال أيضا في الميزان 2 / 66 ترجمة الزبير بن جنادة الهجري : ( . . ذكره ابن
حبان في الثقات وأخطأ من قال : فيه جهالة . . . ) .
وقال الحافظ ابن حجر في ( شرح نخبة الفكر ) ص ( 99 - 100 ) : ( فإن سمي
الراوي ، وانفرد راو واحد بالرواية عنه فهو مجهول العين ، كالمبهم فلا يقبل حديثه إلا
أن يوثقه غير من ينفرد عنه على الأصح ، وكذا من ينفرد عنه إذا كان متأهلا لذلك ) .
وهل فعل ابن حبان أكثر من هذا ؟ .
وأما ما وقع فيه من خطأ ، أو سهو ، أو اضطراب ، فهذه صفات بشرية لا يمكن
لبشر تجاوزها لذا قال العزيز الحكيم في وصف كتابه الكريم : ( أفلا يتدبرون القرآن ؟
ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) [ النساء : 82 ] .
ومن المسلم أيضا أن هذه الأمور تزداد نسبتها بازدياد عطاء الرجل وكثرة إنتاجه ،
الصحيح مع أن شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر - قد نازع في نسبته إلى
التساهل إلا من هذه الحيثية . وعبارته - يعني عبارة ابن حجر - : إن كانت
باعتبار وجدان الحسن في كتابه فهي مشاحة في الاصطلاح لأنه يسميه
صحيحا ، وإن كانت باعتبار خفة شروطه ، فإنه يخرج في الصحيح ما كان
راويه ثقة غير مدلس سمع ممن فوقه وسمع منه الآخذ عنه ، ولا يكون هنا
إرسال ولا انقطاع ، وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل ، وكان كل من
شيخه والراوي عنه ثقة ، ولم يأت بحديث منكر ، فهو عنده ثقة . وفي كتاب
( الثقات ) له كثير ممن هذه حاله ، ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم
من الثقات من لم يعرف اصطلاحه ، ولا اعتراض عليه فإنه لا يشاح في ذلك )
قلت - القائل هو السخاوي - : ويتأيد بقول الحازمي : ابن حبان أمكن في
الحديث من الحاكم ، وكذا قال العماد ابن كثير : ( قد التزم ابن خزيمة وابن
حبان الصحة وهما خير من المستدرك ، وأنظف أسانيد ومتونا ) .
وجاء في كشف الظنون 2 / 77 : ( قال ابن حجر في ( النكت ) : وفيه
- يعني صحيح ابن حبان - تساهل ، لكنه أقل من تساهل الحاكم في
المستدرك .
وابن حبان واحد من المكثرين ، بل والمكثرين جدا ، ولو وازنا نسبة أخطائه إلى
إنتاجه لوجدناها عنده أقل منها عند غيره بكثير .
وانظر تدريب الراوي 1 / 316 - 324 ، سنن البيهقي 4 / 105 ، توضيح الأفكار
2 / 173 - 198 ، قواعد في علوم الحديث ص ( 202 - 209 ) ، وألفية السيوطي في
علم الحديث تحقيق أحمد شاكر ص ( 251 - 252 ) . ومقدمة ابن الصلاح
ص ( 54 ) ، والباعث الحثيث ص : ( 206 - 208 ) ، وهدي الساري ص : 9 - 12 ،
وشروط الأئمة الخمسة للحازمي ص ( 40 - 47 ) ، وشروط الأئمة الخمسة لابن طاهر
المقدسي ص ( 11 - 13 ) .
وانظر أيضا الفصل الآتي بعنوان : آراء العلماء في هذا الصحيح ومناقشتها . وشرح
نخبة الفكر ص ( 100 ) . وإحكام الأحكام 1 / 262 نشر مكتبة عاطف .