إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن الطريق
إلى تهذيب الأخلاق واكتساب الفاضلة منها
أحد مسلكين :
المسلك الأول : تهذيبها بالغايات الصالحة
الدنيوية ، والعلوم والآراء المحمودة عند الناس ،
كما يقال : إن العفة وقناعة الإنسان بما عنده
والكف عما عند الناس توجب العزة والعظمة في
أعين الناس والجاه عند العامة ، وإن الشره يوجب
الخصاصة والفقر ، وإن الطمع يوجب ذلة النفس
المنيعة ، وإن العلم يوجب إقبال العامة والعزة
والوجاهة والانس عند الخاصة ، وإن العلم بصر
يتقي به الإنسان كل مكروه ، ويدرك كل محبوب ،
وإن الجهل عمى ، وإن العلم يحفظك وأنت تحفظ
المال وإن الشجاعة ثبات يمنع النفس عن التلون
والحمد من الناس على أي تقدير سواء غلب
الإنسان أو غلب عليه بخلاف الجبن والتهور ، وإن
العدالة راحة النفس عن الهمم المؤذية ، وهي
الحياة بعد الموت ببقاء الاسم وحسن الذكر
وجميل الثناء والمحبة في القلوب .
وهذا هو المسلك المعهود الذي رتب عليه
علم الأخلاق ، والمأثور من بحث الأقدمين من
يونان وغيرهم فيه .
ولم يستعمل القرآن هذا المسلك الذي بناؤه على
انتخاب الممدوح عند عامة الناس عن المذموم
عندهم ، والأخذ بما يستحسنه الاجتماع وترك ما
يستقبحه ، نعم ربما جرى عليه كلامه تعالى فيما
يرجع بالحقيقة إلى ثواب أخروي أو عقاب
أخروي كقوله تعالى : * ( وحيث ما كنتم فولوا
وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم
حجة ) * ( 1 ) ، دعا سبحانه إلى العزم والثبات ،
وعلله بقوله : * ( لئلا يكون ) * وكقوله تعالى : * ( ولا
تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ) * ( 2 ) ،
دعا سبحانه إلى الصبر وعلله بأن تركه وإيجاد
النزاع يوجب الفشل وذهاب الريح وجرأة العدو ،
وقوله تعالى : * ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن
عزم الأمور ) * ( 3 ) دعا إلى الصبر والعفو ، وعلله
بالعزم والإعظام .
المسلك الثاني : الغايات الأخروية ، وقد كثر
ذكرها في كلامه تعالى ، كقوله سبحانه : * ( إن الله
اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم
الجنة ) * ( 4 ) ، وقوله تعالى : * ( إنما يوفى الصابرون
أجرهم بغير حساب ) * ( 5 ) ، وقوله تعالى : * ( إن
الظالمين لهم عذاب أليم ) * ( 6 ) ، وقوله تعالى : * ( الله
ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من
النور إلى الظلمات ) * ( 7 ) ، وأمثالها كثيرة على
اختلاف فنونها .
ويلحق بهذا القسم نوع آخر من الآيات ،
كقوله تعالى : * ( ما أصاب من مصيبة في الأرض
ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها
هامش
( 1 ) البقرة : 150 .
( 2 ) الأنفال : 46 .
( 3 ) الشورى : 43 .
( 4 ) التوبة : 111 .
( 5 ) الزمر : 10 .
( 6 ) إبراهيم : 22 .
( 7 ) البقرة : 257 .