تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان الحكمة — صفحة 3125

مساهمون:

ص٣١٢٥
موت أحد منهم ، ولم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان إلا أصلح بينهما ولم يمض عنهما حتى يحابا ، ولم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره وعمن أخذه ، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء ، وكان يغشي القضاة والملوك والسلاطين فيرثي للقضاة ما ابتلوا به ، ويرحم للملوك والسلاطين لعزتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك ، ويعتبر ويتعلم ما يغلب به نفسه ويجاهد به هواه ويحترز به من الشيطان ، فكان يداوي قلبه بالفكر ، ويداوي نفسه بالعبر ، وكان لا يظعن إلا فيما ينفعه ، فبذلك أوتي الحكمة ومنح العصمة . فإن الله تبارك وتعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا : يا لقمان ! هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس ؟ فقال لقمان : إن أمرني الله بذلك فالسمع والطاعة ، لأنه إن فعل بي ذلك أعانني عليه وعلمني وعصمني ، وإن هو خيرني قبلت العافية . فقالت الملائكة : يا لقمان لم قلت ذلك ؟ قال : لأن الحكم بين الناس من أشد المنازل من الدين وأكثرها فتنا وبلاءا ما يخذل ولا يعان ويغشاه الظلم من كل مكان ، وصاحبه فيه بين أمرين إن أصاب فيه الحق فبالحري أن يسلم ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ، ومن يكن في الدنيا ذليلا وضعيفا كان أهون عليه في المعاد أن يكون فيه حكما سريا شريفا ، ومن اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما تزول هذه ولا تدرك تلك . قال : فتعجبت الملائكة من حكمته واستحسن الرحمن منطقه ، فلما أمسى وأخذ مضجعه من الليل أنزل الله عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم وغطاه بالحكمة غطاءا ، فاستيقظ وهو أحكم الناس في زمانه ، وخرج على الناس ينطق بالحكمة ويثبتها فيها . قال : فلما أوتي الحكم بالخلافة ولم يقبلها أمر الله الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها بشرط لقمان ، فأعطاه الله الخلافة في الأرض وابتلي فيها غير مرة وكل ذلك يهوي في الخطأ يقبله الله ويغفر له ، وكان لقمان يكثر زيارة داود ( عليه السلام ) ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه ، وكان داود يقول له : طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية ، وأعطي داود الخلافة وابتلي بالحكم والفتنة . ثم قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) * ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) * قال : فوعظ لقمان لابنه بآثار حتى تفطر وانشق . وكان فيما وعظه به - يا حماد - أن قال : يا بني إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة ، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد ، يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ، لا تجادلهم فيمنعوك ، وخذ من الدنيا بلاغا ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس ، ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك ، وصم صوما يقطع شهوتك ، ولا تصم صياما يمنعك من الصلاة ،
ميزان الحكمة — صفحة 3125 | محمد الريشهري / مؤسسة دار الحديث الثقافية