تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان الحكمة — صفحة 3058

مساهمون:

ص٣٠٥٨
على أنه هو الذي كسر سائر الأصنام . وإنما قال ( عليه السلام ) ذلك وهو يعلم أنهم لا يصدقونه على ذلك وهم يعلمون أنه جماد لا يقدر على ذلك لكنه قال ما قال ليعقبه بقوله : فاسألوهم إن كانوا ينطقون حتى يعترفوا بصريح القول بأنهم جمادات لا حياة لهم ولا شعور ، ولذلك لما سمعوا قوله رجعوا إلى أنفسهم فقالوا : إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ، قال : أفتعبدون من دون الله مالا يضركم ولا ينفعكم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون . قالوا : حرقوه وانصروا آلهتكم ، فبنوا له بنيانا وأسعروا فيه جحيما من النار وقد تشارك في أمره الناس جميعا وألقوه في الجحيم ، فجعله الله بردا عليه وسلاما وأبطل كيدهم ( الأنبياء : 57 - 70 ، الصافات : 88 - 98 ) وقد ادخل في خلال هذه الأحوال على الملك ، وكان يعبده القوم ويتخذونه ربا ، فحاج إبراهيم في ربه فقال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت فغالطه الملك وقال : أنا أحيي وأميت كقتل الأسير وإطلاقه ، فحاجه إبراهيم بأصرح ما يقطع مغالطته فقال : إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ( البقرة : 258 ) . ثم لما أنجاه الله من النار أخذ يدعو إلى الدين الحنيف دين التوحيد فآمن له شرذمة قليلة ، وقد سمى الله تعالى منهم لوطا ومنهم زوجته التي هاجر بها ، وقد كان تزوج بها قبل الخروج من الأرض إلى الأرض المقدسة ( 1 ) . ثم تبرأ هو ( عليه السلام ) ومن معه من المؤمنين من قومهم ، وتبرأ هو من آزر الذي كان يدعوه أبا ولم يكن بوالده الحقيقي ( 2 ) ، وهاجر ومعه زوجته ولوط إلى الأرض المقدسة ليدعو الله سبحانه من غير معارض يعارضه من قومه الجفاة الظالمين ( الممتحنة : 4 ، الأنبياء : 71 ) وبشره الله سبحانه هناك بإسماعيل وبإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وقد شاخ وبلغه كبر السن فولد له إسماعيل ثم ولد له إسحاق ، وبارك الله سبحانه فيه وفي ولديه وأولادهما . ثم إنه ( عليه السلام ) بأمر من ربه ذهب إلى أرض مكة وهي واد غير ذي زرع ، فأسكن فيه ولده إسماعيل وهو صبي ورجع إلى الأرض المقدسة ، فنشأ إسماعيل هناك واجتمع عليه قوم من العرب القاطنين هناك وبنيت بذلك بلدة مكة . وكان ( عليه السلام ) ربما يزور إسماعيل في أرض مكة قبل بناء مكة والبيت وبعد ذلك ( البقرة : 126 ، إبراهيم : 35 - 41 ) ثم بنى بها الكعبة البيت الحرام بمشاركة من إسماعيل وهي أول بيت وضع للناس من جانب الله مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم
هامش
( 1 ) الدليل على إيمان جمع من قومه به قوله تعالى : * ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ) * ( الممتحنة : 4 ) والدليل على تزوجه قبل الخروج إلى الأرض المقدسة سؤاله الولد الصالح من ربه في قوله : * ( وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين * رب هب لي من الصالحين ) * ( الصافات : 99 ، 100 ) . ( 2 ) وقد تقدم استفادة ذلك من دعائه المنقول في سورة إبراهيم .