على أنه هو الذي كسر سائر الأصنام .
وإنما قال ( عليه السلام ) ذلك وهو يعلم أنهم لا يصدقونه
على ذلك وهم يعلمون أنه جماد لا يقدر على ذلك
لكنه قال ما قال ليعقبه بقوله : فاسألوهم
إن كانوا ينطقون حتى يعترفوا بصريح القول بأنهم
جمادات لا حياة لهم ولا شعور ، ولذلك لما سمعوا
قوله رجعوا إلى أنفسهم فقالوا : إنكم أنتم
الظالمون ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما
هؤلاء ينطقون ، قال : أفتعبدون من دون الله مالا
يضركم ولا ينفعكم أف لكم ولما تعبدون من دون
الله أفلا تعقلون أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم
وما تعملون .
قالوا : حرقوه وانصروا آلهتكم ، فبنوا له بنيانا
وأسعروا فيه جحيما من النار وقد تشارك في أمره
الناس جميعا وألقوه في الجحيم ، فجعله الله بردا
عليه وسلاما وأبطل كيدهم ( الأنبياء : 57 - 70 ،
الصافات : 88 - 98 ) وقد ادخل في خلال هذه
الأحوال على الملك ، وكان يعبده القوم ويتخذونه
ربا ، فحاج إبراهيم في ربه فقال إبراهيم : ربي
الذي يحيي ويميت فغالطه الملك وقال : أنا أحيي
وأميت كقتل الأسير وإطلاقه ، فحاجه إبراهيم
بأصرح ما يقطع مغالطته فقال : إن الله يأتي
بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت
الذي كفر ( البقرة : 258 ) .
ثم لما أنجاه الله من النار أخذ يدعو إلى الدين
الحنيف دين التوحيد فآمن له شرذمة قليلة ، وقد
سمى الله تعالى منهم لوطا ومنهم زوجته التي
هاجر بها ، وقد كان تزوج بها قبل الخروج من
الأرض إلى الأرض المقدسة ( 1 ) .
ثم تبرأ هو ( عليه السلام ) ومن معه من المؤمنين من
قومهم ، وتبرأ هو من آزر الذي كان يدعوه
أبا ولم يكن بوالده الحقيقي ( 2 ) ، وهاجر ومعه
زوجته ولوط إلى الأرض المقدسة ليدعو الله
سبحانه من غير معارض يعارضه من قومه الجفاة
الظالمين ( الممتحنة : 4 ، الأنبياء : 71 )
وبشره الله سبحانه هناك بإسماعيل وبإسحاق
ومن وراء إسحاق يعقوب وقد شاخ وبلغه كبر
السن فولد له إسماعيل ثم ولد له إسحاق ،
وبارك الله سبحانه فيه وفي ولديه وأولادهما .
ثم إنه ( عليه السلام ) بأمر من ربه ذهب إلى أرض مكة
وهي واد غير ذي زرع ، فأسكن فيه ولده
إسماعيل وهو صبي ورجع إلى الأرض المقدسة ،
فنشأ إسماعيل هناك واجتمع عليه قوم من العرب
القاطنين هناك وبنيت بذلك بلدة مكة .
وكان ( عليه السلام ) ربما يزور إسماعيل في أرض
مكة قبل بناء مكة والبيت وبعد ذلك ( البقرة :
126 ، إبراهيم : 35 - 41 ) ثم بنى بها الكعبة
البيت الحرام بمشاركة من إسماعيل وهي أول
بيت وضع للناس من جانب الله مباركا وهدى
للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم
هامش
( 1 ) الدليل على إيمان جمع من قومه به قوله تعالى : * ( قد كانت لكم
أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء
منكم ) * ( الممتحنة : 4 ) والدليل على تزوجه قبل الخروج إلى
الأرض المقدسة سؤاله الولد الصالح من ربه في قوله : * ( وقال
إني ذاهب إلى ربي سيهدين * رب هب لي من الصالحين ) *
( الصافات : 99 ، 100 ) .
( 2 ) وقد تقدم استفادة ذلك من دعائه المنقول في سورة إبراهيم .