أولا تطيب نفس الإنسان بما ورد : ( أنّ الولد يتلقّى أباه ، فيأخذ بثوبه ، فلا ينتهي حتى يدخله اللَّه الجنة وإيّاه ) ( 1 ) ، هم : ( دعاميص الجنة ) ( 2 ) ، دخّالون في منازلها بغير جنّة ، يتلقون آباءهم من أبواب الجنة الثمانية ، من أيّها شاء دخل ، حيث سلموا من الحنث والإثم والدّخل ( 3 ) ، ما أثقل الولد الصالح في الميزان ، وما أنفل غنمه ( 4 ) الرابح ، حيث يفتح لأبيه أبواب الجنان ، وما أسرّه إذ يتلقاه بكأس الشراب وهو في الموقف ظمآن ، ذلك تخفيف من ربكم لذنوبكم ، ورحمة بعباده المؤمنين ، * ( إِنَّه مَنْ يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإِنَّ الله لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) * ( 5 ) .
ألا إن الذي لم يقدم من ولده شيئا هو الرقوب ( 6 ) ، اذكروا ما ابتلى اللَّه به من فراق ولده ثمانين عاما صفيّه يعقوب ( 7 ) ، / من حمد ربه واسترجع عند قبض ولده ، بنت الملائكة له بيتا في الجنة ، وسمّوه بيت الحمد ( 8 ) ، فطوبى لمشهده ، وكيف لا يوطن نفسه على فراق الأحباب ، وللَّه كلّ يوم ملك ينادي بباب السماء : يا أيها الناس ، لدوا للموت وابنوا للخراب ، وأوحى اللَّه ذلك إلى آدم حين أهبطه من الجنان ، وصاح به من الطير ورشان ( 9 ) ، بحضرة النبي سليمان ، قال بعض من تقدم في الزمان ( 10 ) : [ الطويل ]
وللموت تغدو الوالدات سخالها
كما لخراب الدور تبنى المساكن
وقال بعض من تأخر ( 11 ) : [ الوافر ]
بني الدنيا أقلَّوا الهمّ فيها
فما فيها يؤول إلى الفوات
بناء للخراب وجمع مال
ليفنى والتوالد للممات
هامش
( 1 ) صحيح مسلم 4 / 39 ، الموطأ 1 / 730 .
( 2 ) النهاية في غريب الحديث 2 / 120 ، وفي المجازات النبوية للشريف الرضي ص 406 يقول : « هذه استعارة ، والدعموص : دويبة صغيرة تكون في مياه العيون ، يقال : إنها ضفدع ، فكأنه عليه الصلاة والسلام شبههم للعبهم في أنهار الجنة ومياهها بالدعاميص التي تعوم في قرارات الغدران وجمامها » .
( 3 ) الدخل : العيب والغش والفساد . ( اللسان : دخل )
( 4 ) ما أنفل غنمه : ما أكثره .
( 5 ) يوسف 90 .
( 6 ) في النهاية في غريب الحديث 2 / 249 قال : الرقوب في اللغة ، الرجل والمرأة إذا لم يعش لهما ولد ، فنقله النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم إلى الذي لم يقدم من الولد شيئا .
( 7 ) قصص الأنبياء لابن كثير ، قصة يوسف 1 / 306 .
( 8 ) ينظر : الجامع للأصول في أحاديث الرسول 1 / 349 ، الزهد ، لعبد اللَّه بن المبارك ص 28 ، وعمل اليوم والليلة لابن السني ص 218 .
( 9 ) الورشان : طائر شبه الحمامة ، أكبر قليلا منها .
( 10 ) البيت لسابق البربري في العقد الفريد 2 / 69 ، وتهذيب ابن عساكر 6 / 38 .
( 11 ) البيتان دون عزو في رحلة الشتاء والصيف لابن كبريت ص 119 .