الدالة على بطلان الجبر والتفويض من ناحية ، وعلى إثبات الأمر بين الأمرين من
ناحية أخرى ، ولولا تلك الروايات لوقعوا - بطبيعة الحال - في جانبي الإفراط أو
التفريط ، كما وقع أصحاب النظريتين الأوليين .
وعلى ضوء هذه الروايات كان علينا أن نتخذ تلك النظرية لكي نثبت بها العدالة
والسلطنة لله سبحانه وتعالى معا .
بيان ذلك : أن نظرية الأشاعرة وإن تضمنت إثبات السلطنة المطلقة للباري - عز
وجل - إلا أن فيها القضاء الحاسم على عدالته سبحانه وتعالى ، وسنتكلم فيها من
هذه الناحية في البحث الآتي إن شاء الله تعالى . ونظرية المعتزلة على عكسها ،
شرح
بين أمرين . . . الخ " ( 1 ) .
ومنها : رواية عن أبي حمزة الثمالي أنه قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) للحسن البصري : " إياك أن
تقول بالتفويض ، فإن الله - عز وجل - لم يفوض الأمر إلى خلقه وهنا منه وضعفا ، ولا أجبرهم
على معاصيه ظلما " ( 2 ) .
ومنها : رواية المفضل ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين
أمرين . . . الخ " ( 3 ) . وغيرها من الروايات الواردة في هذا الموضوع وقد بلغت تلك الروايات من
الكثرة حد التواتر ( 4 ) .
فهذه الروايات المتواترة معنى وإجمالا الواضحة الدلالة على بطلان نظريتي الجبر
والتفويض من ناحية ، وعلى إثبات نظرية الأمر بين الأمرين من ناحية أخرى بوحدتها كافية
لإثبات المطلوب ، فضلا عما سلف ( 5 ) من إقامة البرهان العقلي على بطلان كلتا النظريتين ، وعلى
هذا الأساس فكل ما يكون بظاهره مخالفا لتلك الروايات فلابد من طرحه بملاك أنه مخالف
للسنة القطعية وللدليل العلمي العقلي .
نعم ، قد فسر الأمر بين الأمرين بتفسيرات اخر ، وقد تعرضنا لتلك التفسيرات في ضمن
رسالة مستقلة ، وناقشناها بصورة موسعة ، كما تعرضنا لنظرية الفلاسفة فيها بكافة أسسها التي
تقوم نظريتهم على تلك الأسس ونقدها بشكل موسع .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 5 ص 17 ب 1 من أبواب العدل ح 28 .
( 2 ) المصدر السابق : ح 26 .
( 3 ) المصدر السابق : ح 27 .
( 4 ) انظر البحار : ج 5 ب 1 من أبواب العدل ، والكافي : ج 1 ص 160 باب الجبر والقدر .
( 5 ) تقدم في ص 43 - 75 وص 76 - 81 فراجع .