تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
شرح
عن المراد فلا يصح أن يتعلق بها التكليف ، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا . قلت : إنما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلق الإرادة بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية ، وإلا فلابد من صدورها بالاختيار ، وإلا لزم تخلف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . إن قلت : إن الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بإرادتهما إلا أنهما منتهيان إلى مالا بالاختيار ، كيف وقد سبقهما الإرادة الأزلية والمشيئة الإلهية ؟ ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالآخرة بلا اختيار ؟ قلت : العقاب إنما بتبعة الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته ، الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما ، فإن " السعيد سعيد في بطن أمه ، والشقي شقي في بطن أمه " ، و " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " كما في الخبر ، والذاتي لا يعلل ، فانقطع سؤال : أنه لم جعل السعيد سعيدا ، والشقي شقيا ؟ فإن السعيد سعيد بنفسه ، والشقي شقي كذلك ، وإنما أوجدهما الله تعالى ) ( 1 ) . نلخص كلامه ( قدس سره ) في عدة نقاط : الأولى : أن الإرادة التكوينية علة تامة للفعل ويستحيل تخلفها عنه . الثانية : أن إرادة العبد تنتهي إلى الإرادة الأزلية بقانون " أن كل ما بالغير ينتهي - بالأخرة - إلى ما بالذات " . الثالثة : أن إرادته تعالى من الصفات العليا الذاتية : كالعلم والقدرة وما شاكلهما . الرابعة : أن السعادة والشقاوة صفتان ذاتيتان للإنسان . الخامسة : أن منشأ العقاب والثواب إنما هو السعادة والشقاوة الذاتيتين اللازمتين للذات . أما النقطة الأولى والثانية والثالثة : فقد تقدم الكلام فيها في ضمن البحوث السالفة بشكل موسع ( 2 ) من دون حاجة إلى الإعادة . وأما النقطة الرابعة : فإن أراد بالذاتي في باب الكليات - أعني : الجنس والفصل - فهو واضح الفساد ، بداهة أن السعادة والشقاوة ليستا جنسين للإنسان ، ولا فصلين له ، وإلا لكانت حقيقة الإنسان السعيد مباينة لحقيقة الإنسان الشقي وهو كما ترى ، فعندئذ - لا محالة - يكون مراده منه الذاتي باب البرهان . وعليه فنقول : إن أراد به الذاتي بمعنى العلة التامة - يعني : أن شقاوة الشقي علة تامة لاختياره الكفر والعصيان ، وسعادة السعيد علة تامة لاختياره الإيمان والإطاعة - فيرده البرهان والوجدان من ناحية ، والكتاب والسنة من ناحية أخرى .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 89 . ( 2 ) راجع ص 51 - 54 .