وذهب جماعة من المحققين إلى الثاني ، أي إلى انحصار الدلالة الوضعية
بالدلالة التصديقية ( 1 ) .
التحقيق حسب ما يقتضيه نظر الدقيق هو القول الثاني ، والوجه فيه : أما بناء
على ما سلكناه ( 2 ) في باب الوضع : من أنه عبارة عن التعهد والالتزام فواضح ،
ضرورة أنه لا معنى للالتزام بكون اللفظ دالا على معناه ولو صدر عن لافظ بلا
شعور واختيار ، بل ولو صدر عن اصطكاك حجر بآخر وهكذا . . . ، فإن هذا غير
اختياري فلا يعقل أن يكون طرفا للتعهد والالتزام . وعليه فلا مناص من الالتزام
بتخصيص العلقة الوضعية بصورة قصد تفهيم المعنى من اللفظ وإرادته ، سواء
أكانت الإرادة تفهيمية محضة أم جدية أيضا ، فإنه أمر اختياري فيكون متعلقا
للالتزام والتعهد .
وعلى الجملة : قد ذكرنا ( 3 ) سابقا : أن اختصاص الدلالة الوضعية بالدلالة
التصديقية لازم حتمي للقول بكون الوضع بمعنى التعهد والالتزام . وأما الدلالة
التصورية - وهي : الانتقال إلى المعنى من سماع اللفظ - فهي غير مستندة إلى
الوضع ، بل هي من جهة الانس الحاصل من كثرة الاستعمال ، أو من أمر آخر ، ومن
ثمة كانت هذه الدلالة موجودة حتى مع تصريح الواضع باختصاص العلقة
الوضعية بما ذكرناه .
بل إن الأمر كذلك حتى على ما سلكه القوم في مسألة الوضع من أنه أمر
اعتباري ، فإن الأمر الاعتباري يتبع الغرض الداعي إليه في السعة والضيق ، فالزائد
على ذلك لغو محض .
ولما كان الغرض الباعث للواضع على الوضع قصد تفهيم المعنى من اللفظ
هامش
( 1 ) منهم المحقق الحائري اليزدي في الدرر : ج 1 ص 42 طبع جديد .
( 2 ) تقدم في ص 52 فراجع .
( 3 ) تقدم في ص 52 فراجع .