والأخبار متواترة في منعه الناس عن تدوين العلم ، وردعه إيّاهم عن جمع السنن والآثار ، وربما حظر عليهم الحديث عن رسول اللّه مطلقا ، وحبس أعلامهم في المدينة الطيّبة ؛ لكيلا يذيعوا الأحاديث في الآفاق ( 1 ) .
ولا يخفى ما قد ترتّب على هذا من المفاسد التي لا تتلافى أبدا ، فليت الخليفتين صبّرا نفسيهما مع عليّ بن أبي طالب وسائر الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والخيرة من أصحابه ، فيحبساهم على جمع السنن والآثار النبويّة وتدوينها في كتاب خاصّ يرثه عنهم من جاء بعدهم من التابعين ، فتابعي التابعين ، فتابعيهم في كلّ خلف من هذه الامّة ، شأن الذكر الحكيم والفرقان العظيم ؛ فإنّ في السنّة ما يوضح متشابه القرآن ، ويبيّن مجمله ، ويخصّص عامّه ، ويقيّد مطلقه ، ويوقف اولي الألباب على كنهه ، فبحفظها حفظه ، وبضياعها ضياع لكثير من أحكامه ، فما كان أولاها بعناية الخليفتين واستفراغ وسعهما في ضبطها وتدوينها ، ولو فعلا ذلك لعصما الامّة والسنّة من معرّة الكاذبين بما افتأتوه على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ؛ إذ لو كانت السنن مدوّنة من ذلك العصر في كتاب تقدّسه الامّة ، لارتجّ على الكذّابين باب الوضع ، وحيث فاتهما ذلك كثرت الكذّابة على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ولعبت في الحديث أيدي السياسة ، وعاثت به ألسنة الدعاية الكاذبة ، ولا سيّما على عهد معاوية وفئته الباغية ، حيث سادت فوضى الدجاجيل ، وراج سوق الأباطيل .
شرح
( 1 ) فعن عبد الرحمن بن عوف قال : واللّه ، ما مات عمر حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللّه فجمعهم من الآفاق : عبد اللّه بن حذيفة ، وأبي الدرداء ، وأبي ذرّ ، وعقبة بن عامر فقال : ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في الآفاق ؟ قالوا : تنهانا ؟ قال : لا ، أقيموا عندي ، لا واللّه ، لا تفارقوني ما عشت . . . الحديث . أخرجه ابن عساكر عن محمّد بن إسحاق « 1 » ، وهو الحديث 4865 ص 239 من الجزء الخامس من الكنز .
هامش
( 1 ) - . تاريخ مدينة دمشق 500 : 40 ، الرقم 4726 . راجع كنز العمّال 292 : 10 - 293 ، ح 29479 .