للحبّ المأكول رَيْحَانٌ في قوله : * ( والْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ والرَّيْحانُ ) * [ الرحمن / 12 ] ، وقيل لأعرابيّ : إلى أين ؟ فقال : أطلب من رَيْحَانِ اللَّه ، أي : من رزقه ، والأصل ما ذكرنا . وروي : « الولد من رَيْحَانِ اللَّه » « 1 » وذلك كنحو ما قال الشاعر :
203 - يا حبّذا ريح الولد
ريح الخزامى في البلد « 2 » أو لأنّ الولد من رزق اللَّه تعالى . والرِّيحُ معروف ، وهي فيما قيل الهواء المتحرّك . وعامّة المواضع الَّتي ذكر اللَّه تعالى فيها إرسال الرّيح بلفظ الواحد فعبارة عن العذاب ، وكلّ موضع ذكر فيه بلفظ الجمع فعبارة عن الرّحمة ، فمن الرِّيحِ : * ( إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً ) * صَرْصَراً [ القمر / 19 ] ، * ( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وجُنُوداً ) * [ الأحزاب / 9 ] ، * ( كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ ) * [ آل عمران / 117 ] ، * ( اشْتَدَّتْ بِه الرِّيحُ ) * [ إبراهيم / 18 ] . وقال في الجمع :
* ( وأَرْسَلْنَا الرِّياحَ ) * لَواقِحَ [ الحجر / 22 ] ، * ( أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ ) * مُبَشِّراتٍ [ الروم / 46 ] ، * ( يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً ) * [ الأعراف / 57 ] . وأمّا قوله :
يرسل الرّيح فتثير سحابا « 3 » فالأظهر فيه الرّحمة ، وقرئ بلفظ الجمع « 4 » ، وهو أصحّ .
وقد يستعار الرّيح للغلبة في قوله : * ( وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) * [ الأنفال / 46 ] ، وقيل : أَرْوَحَ الماءُ :
تغيّرت ريحه ، واختصّ ذلك بالنّتن . ورِيحَ الغديرُ يَرَاحُ : أصابته الرِّيحُ ، وأَرَاحُوا : دخلوا في الرَّوَاحِ ، ودهن مُرَوَّحٌ : مطيّب الرّيح . وروي :
« لم يَرَحْ رَائِحَةَ الجنّة » « 5 » أي : لم يجد ريحها ، والمَرْوَحَةُ : مهبّ الرّيح ، والمِرْوَحَةُ : الآلة التي بها تستجلب الرّيح ، والرَّائِحَةُ : تَرَوُّحُ هواء .
ورَاحَ فلان إلى أهله إمّا أنه أتاهم في السّرعة كالرّيح ، أو أنّه استفاد برجوعه إليهم روحا من
هامش
« 1 » الحديث عن عائشة قالت : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : « الولد من ريحان الجنّة » . أخرجه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال 4 / 1467 ، وأخرجه الحكيم الترمذي من طريق آخر عن خولة بنت حكيم ، وانظر : الفتح الكبير 3 / 308 .
« 2 » البيت لأعرابية ترقّص ولدها ، وبعده :أهكذا كلّ ولد
أم لم تلد قبلي أحدوهو في ربيع الأبرار 3 / 521 ، وشرح نهج البلاغة 3 / 22 .
« 3 » سورة الروم : آية 48 ، وهذه قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف .
« 4 » وبها قرأ نافع وأبو جعفر المدنيان ، وأبو عمرو البصري وابن عامر الشامي وعاصم الكوفي ، ويعقوب البصري .
راجع : الإتحاف 348 .
« 5 » الحديث عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : « من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنّة ، وإنّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما » .
أخرجه البخاري في كتاب الجزية 6 / 269 ، وأحمد في المسند 5 / 36 ، وأبو داود في الجهاد برقم ( 2760 ) ، وانظر : شرح السنة 10 / 152 .