فما أروع هذا التشبيه حيث إن الراكب المنبت وإن كان يعدو بفرسه أميالا
عديدة بغية الوصول إلى غايته ، ولكنه بفعله هذا ينتج عكس المطلوب حيث إن
المركوب يعييه التعب ولا يكون بمقدوره الاستمرار في العدو ، ويبقى هو في
وسط الطريق لا يهتدي إلى بغيته ، فهو لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى .
فهكذا الدعوة إلى الشريعة إذا كانت مقرونة بالشدة والضعف تنتج عكس
المطلوب حيث لا تجد لها أذنا صاغية ، بل يخرج الناس منها أفواجا . ولأجل
ذلك صدع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسهولة شريعته ، وقال : " بعثت
بالشريعة السهلة السمحة " . ( 1 )
10 - دلت الآيات القرآنية على أن التكليف على القدر المستطاع وقد أطبق
عليه العقل والنقل ، إذ كيف يمكن تكليف الناس بأعمال ، كإدخال الشئ الكبير
في الظرف الصغير ، من دون تغير في الظرف والمظروف ؟ أو التحليق في الهواء
دون وسيلة ، إلى غير ذلك من الأمور الممتنعة التي تدخل في نطاق التكليف بما
لا يطاق ، حتى أن محققي العدلية ذهبوا إلى أن هذا النوع من التكليف المحال ،
بمعنى أنه لا ينقدح في ذهن الآمر ، الطلب والإرادة الجدية المتعلقة ببعث
العاجز إلى المطلوب ، ولو تظاهر به فإنما تظاهر بظاهر التكليف لا بواقعه .
فتكون النتيجة : أن امتناع المكلف به يلازم امتناع نفس التكليف أيضا ،
يقول سبحانه : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * . ( 2 )
وقال في آية أخرى : * ( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) * . ( 3 )
ومضمون كلتا الآيتين واحد ، وهو أن الله يكلف الإنسان بقدر طاقته
وقابليته .
هذه نماذج استعرضناها لإثبات أن التشريع الإسلامي يتمتع بمرونة ، وأنه
مبني على أساس العدل .
وفي الحقيقة أن التشريع الإسلامي من مظاهر عدله في هذا المجال .
هامش
( 1 ) سفينة البحار : 1 / 695 .
( 2 ) البقرة : 286 .
( 3 ) الطلاق : 7 -