وقيل أيضاً : الذين يظنون انقضاء أجلهم وسرعة موتهم فيكونون أبداً على حذر ووجل ، كما يقال لمن مات : لقي الله . والظن والشك والتجويز نظائر ، إلاّ أنّ الظن فيه قوة على أحد الأمرين دون الآخر ، وحدّه ما قوي عند الظان كون المظنون على ما ظنّه مع تجويزه أن يكون خلافه ، فبالتجويز ينفصل من العلم ، وبالقوة ينفصل من الشك والتقليد وغير ذلك ، وضد الظن اليقين ، ويقال : ظن ظناً وتظنّن تظنّناً ، وقال : * ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ ) * ( 1 ) وقوله : * ( وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ) * ( 2 ) والظنين المتهم ، ومصدره الظنة ، والظنون الرجل السيء الظن بكلّ أحد ، والظنون القليل الخير . ومعنى قوله : * ( أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ ) * أي ملاقوا جزاء ربّهم ، فجعل ملاقاة الجزاء ملاقاة له تفخيماً وتعظيماً لشأن الجزاء ، وأصل الملاقاة الملاصقة ، من قولك : التقى الحدان أي تلاصقا ، ثم كثر حتى قالوا التقى الفارسان إذا تحاذيا ولم يتلاصقا ، ومثل ما قلنا في قوله : * ( مُلاقُو رَبِّهِمْ ) * قوله تعالى : * ( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْم يَلْقَوْنَهُ ) * ( 3 ) معناه يوم يلقون جزاءه ، لأنّ المنافقين لا يرون الله عند أحد من أهل الصلاة ، وكذلك قوله : * ( وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) * ( 4 ) معناه إذ وقفوا على جزاء ربّهم ، لأنّ الكفار لا يرون الله عند أحد من الأمة . فإن قيل : ما معنى الرجوع هاهنا وهم ما كانوا قط في الآخرة فيعودوا إليها ؟ قيل : راجعون بالإعادة في الآخرة - في قول أبي العالية - وقيل : يرجعون
إكمال النقصان من تفسير منتخب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 190
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص١٩٠
هامش
( 1 ) - القصص : 39 .
( 2 ) - الفتح : 12 .
( 3 ) - التوبة : 77 .
( 4 ) - الأنعام : 30 .