وجه كونه قبلة لما كان لذلك وجه ، ولا فيه أنفة ولا يحسن أن يؤمر الفاضل بتعظيم المفضول على نفسه ، لأنّ ذلك سفه به ، وسنبيّن قول من خالف فيه وشبههم . وقال الجبائي والبلخي وجماعة : انّه جعله قبلة لهم فأمرهم بالسجود إلى قبلتهم ، وفيه ضرب من التعظيم له وهذا ضعيف ، لأنّه لو كان على وجه القبلة لما امتنع إبليس من السجود ، ولما استعظمته الملائكة ، ولكن لما أراد ذلك تعظيماً له على وجه ليس بثابت لهم ، امتنع إبليس وتكبّر . واختلفوا في إبليس هل كان من الملائكة أم لا ؟ فقال ابن عباس وابن مسعود وابن المسيب وقتادة وابن جريج والطبري : إنّه كان منهم بدلالة استثنائه من جملتهم ها هنا في قوله : * ( إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ ) * وقال : * ( مَا مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) * مع قوله : * ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ) * وهو المروي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) والظاهر في تفاسيرنا ، ثم اختلف من قال إنّه كان منهم ، فمنهم من قال : إنّه كان خازناً على الجنان ، ومنهم من قال : كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض ، ومنهم من قال : إنّه كان يسوس ما بين السماء إلى الأرض . وقال الحسن البصري وقتادة في رواية ابن زيد والبلخي والرماني وغيره من المتأخّرين : انّه لم يكن من الملائكة ، وإنّ الاستثناء في الآية استثناء منقطع كقوله تعالى : * ( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ) * ( 1 ) وقوله : * ( فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ * إِلاّ رَحْمَةً مِنَّا ) * ( 2 ) وكقوله : * ( لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاّ مَنْ
إكمال النقصان من تفسير منتخب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 154
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص١٥٤
هامش
( 1 ) - النساء : 157 .
( 2 ) - يس : 43 و 44 .