فإنّ موقف العلاّمة الحلي مع ابن إدريس في مجال الفقه كان متسماً بالعنف وخصوصاً في كتابه المختلف ، فقد أعنف المقال ، واشتد في النقد والتمحيص ، وقد عرضت لجملة من تعقيباته في هوامش كتاب السرائر ، وأعرضت عن الكثير الكثير خوف الإطالة ، ولا يعني هذا انّ العلاّمة الحلي رحمه الله لم يترك للمصنف شاردة أو واردة ، أو لم يعترف له بحسنة كلا ، فإنّه رحمه الله كان موضوعياً في مناقشته ، فكل مقام يستدعي النقد في نظره ينقده ولا يبالي ، وكلّ مقام يرى أنّ الحق معه يذعن له بكلّ احترام ويعترف بفضله وسبقه . وقد كنتُ عملت كشفاً بجميع الموارد التي تعرّض فيها العلامة الحلي في كتابه المختلف لآراء المصنّف نفياً أو إثباتاً ، سلباً أو إيجاباً ، وكانت النسبة بينهما - فيما يخطر ببالي ( 1 ) - رجحان مواقفه السلبية على الإيجابية ، بمعنى أنّ موارد النقد كانت أكثر من غيرها . أمّا بقية الفقهاء بعد ذلك أمثال فخر المحققين ابن العلاّمة الحلي ، والشهيدين والمحقق الثاني الكركي ومن تأخر عنهم حتى يومنا الحاضر ، فإنّهم يذكرون آراء المصنّف تأييداً أو تفنيداً ، ولكن - فيما رأيت - دون تجريح يذكر ، وما على الباحث المتتبع إلا أن يرجع بنفسه إلى المراجع الفقهية المتداولة أمثال الكتب التالية : إيضاح الفوائد ، واللمعتين ، والمسالك ، والمدارك ، وشرح الدروس ، وجامع المقاصد ، ومفتاح الكرامة ، والحدائق ، والجواهر وغيرها وغيرها . فانّه يجد آراء المصنّف مبثوثة ، وقد أخذت مكانها بين آراء الفقهاء المتقدّمين أمثال الشيخ الطوسي والسيد المرتضى وابن زهرة وسلار وأضرابهم ، كما انّه يجد التعبير عنه تارة بابن إدريس وأخرى بالحلي على الاطلاق .
مقدمة تفسير منتخب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 131
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص١٣١
هامش
( 1 ) - لم تحضرني فعلاً تلك الأوراق التي سجلت فيها تلك الموارد .