أجل إنّ الفلسفة المادّية ظهر سلطانها يوم ظهور بعض الحقائق الطبيعية ، غير أنّ هذا التقارن ليس لأجل كونها من نتائج العلوم ، بل الوجه هو ما يلي :
إنّ القرن السادس عشر وما بعده من القرون كان زمن ظهور باكورة الآراء في العلوم الطبيعية والفلكية ، فقد أبطل بعض المسلّمات في القرون الماضية ، وقدّم العلماء فروضاً علمية أُخرى ، من كروية الأرض وكونها كوكباً يدور حول مركزه ، وغير ذلك ممّا يبطل أساس العلوم الطبيعية والفلكية الموروثة من اليونان .
تلك المكتشفات التي كانت لا تقف عند حد ، قد كشفت اللثام عن الظنّيات التي كان الناس يتنافسون على تعلّمها ، وأصبح الناس يرون الأُصول التي كانت ذات قاعدة ، قد قامت مقامها قواعد أُخرى تناقضها وتضادها ، فتخيّلوا بعد هذا التحوّل أنّ العلم والفلسفة كانا في القرون الخالية في دور من الفوضى .
والتطور العلمي - مع أنّه كان في حريم العلوم الطبيعية - ولكن أودع في القلوب شكوكاً في عامة المسائل حتى فيما لا يمس بالعلوم كالأُصول الاعتقادية ، فتخيّلوا أنّهم كانوا مخدوعين ، وطفقوا يتساءلون فيقول بعضهم لبعض : إنّه إذا كانت الأُصول المكونة في المعارف الطبيعية فروضاً أدبية تحجب تحت غشائها الجهل ، فما الدليل على أنّ العقائد الدينية والعوالم الروحانية التي يخدمها البشر ألوف السنوات ليست كذلك ؟
وبالجملة : أورث سير العلم والتحول في العلوم شكوكاً وأغرس شبهاً ما زالت تخطر في القلوب وأوجب تشتتاً في الأفكار ، وصار الإنسان يشك في كل شيء حتى في عقائده الواضحة وأُصول دينه التي لا مساس لها بالمادة .
أصول الفلسفة — صفحة 51
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٥١