وسلّطوا عليها أدق أساليب التمحيص ، ولأجل ذلك يعتقدون بما أقرّت به الأُصول الكيماوية ، فإذا شاهدوا الفعل والانفعال بالحسّ والتجربة وبالآلات والمجهرات يعترفون بخواص الأجسام والتراكيب الجوهرية ، فكل ما ترشد إليه العلوم الحسّية يتلقّونه بالقبول .
ولكن هذا المنهج في تحليل الحقائق جرّهم إلى الإلحاد ونفي الصانع ، لأنّهم لم يشاهدوه بالحسّ والتجربة .
ونرى طائفة أُخرى يكيل لهم السواد بصاع كبير قد أحاطت بهم كتب مطبوعة ومخطوطة ، وحاق بهم غبارها وهم يمارسونها بأشد الشوق وغاية الولع ، بين مستنسخ إلى مترجم إلى باحث محقّق ، يتخيّلون أنّهم حملة المعارف السماوية وخزانة الأسرار العلوية وأُولوا الحل والعقد في الحظيرة القدسية ، وقرناء الملائكة وأعدال المنزّهين ، ويبحثون عن الآيات والأحاديث المختلفة ، وقد أوصلتهم تلك الجهود إلى رفع الحجاب عن أحد المخفيات الدينية فعيّنوا الفاصلة الموجودة بين حدقتي الأب السرمدي .
وأوضح دليل على تدهور الفلسفة الإلهية في أوروبا عند ظهور طلائع المدنية الحديثة ما نقرأه في « المجموعة الإلهية » تأليف القدّيس « توماس اكويني » فقد خصّص فصلًا مستقلّا بمسألة خرافية وهي : هل يستطيع أن يستقر عدّة من الملائكة في رأس الإبرة ؟
هذا مبلغ علمه ومدى تفكيره وقيمة أبحاثه ، والرجل بعد يعد من أعاظم الفلاسفة في الغرب في القرون الوسطى .
قال الدكتور شبلي شميل « 1 » : « إنّ الفلسفة الإلهية بلغت بين المسلمين
هامش
( 1 ) قاله في مقال له حول القرآن والعمران ، ونشر مقاله في الجزء الثامن من كتابه ( النشوء والارتقاء ) .