تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
وإخواته وأهله ورجاله . وكان شاور لما أحس بخروج الفرنج إلى مصر أرسل إلى أسد الدين يستصرخه ، فخرج مسرعاً ، ولما علم الفرنج بوصوله إلى مصر واتفاقه مع أهلها رحلوا راجعين على أعقبهم ناكصين . وقام أسد الدين بها ، يتردد إليه شاور في الأحيان ، وكان قد وعدهم بمال في مقابلة ما خسروا من النفقة ، فلم يعطيهم شيئاً ، وعلقت مخالب أسد الدين في البلاد ، وعلم أنه متى وجد الفرنج فرصة أخذوا البلاد ، وتحقق أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور ، فأجمع رأيه على القبض عليه إذا خرج إليه . وكان الأمراء الواصلون مع أسد الدين يترددون إلى خدمة شاور وهو يجتمع بأسد الدين في بعض الأحيان ، وكان يركب على عادة وزرائهم بالطبل والبوق والعلم ، فلم يتجاسر على قبضه أحد من الجماعة إلا أسد الدين بنفسه ، وذلك أنه لما سار إليهم تلقاه راكباً ، وسار إلى جانبه وأخذ يتلاعب به ، وأمر العسكر أن يقصدوا أصحابه ، ففزوا ونهبهم العسكر ، وأنزل شاور في خيمة مفردة وأمر بجز رأسه . وأرسل المصريون إلى أسد الدين خلع الوزارة ، فلبسها وسار ودخل القصر ، وترتب وزيراً وذلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمس مائة ، ودام آمراً وناهياً - وصلاح الدين مباشر الأمور ومقررها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته - إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة ، فمات أسد الدين في القاهرة ، ودفن بها ، ثم نقل إلى مدينة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد مدة بوصية منه . وذكر بعضهم أن أسد الدين دخل القاهرة في سنة أربع وستين وخمس مائة وخرج إليه العاضد آخر ملوك العبيديين ، وتلقاه وحضر يوم الجمعة ثالث يوم دخوله ، وجلس جانب العاضد ، فخلع عليه ، وأظهر له شاور وداً ، وطلب منه أسد الدين مالاً ينفقه في العسكر ، فدافعه وأرسل إليه أن الجند تغيرت قلوبهم عليه بسبب عدم النفقة ، فإذا خرجت فكن منهم على حذر ، فلم يكترث شاور بكلامه ، وعزم أن يعمل دعوة يستدعي إليها أسد الدين والعساكر الشامية ، ويقبض عليهم ، فأحس أسد الدين بذلك ، فاتفق صلاح الدين وعز الدين وبعض كبراء الدولة على قتل شاور وأعلموا أسد الدين فنهاهم عنه ، وخرج شاور قاصداً أسد الدين - وخيامهم كانت على شاطىء النيل - فلم يجده في خيمته ، وكان قد ركب إلى زيارة قبر الشافعي رضي الله عنه بالقرافة - فقال شاور : يمضي إليه ، فساروا ، فاكتنفه صلاح الدين مع آخر ، فأنزلاه عن فرسه ، فهرب أصحابه وأخذ أسيراً ، وكتف ، ولم يمكنهم قتله بغير إذن نور الدين ، فأرسل العاضد يأمرهم بقتله فقتلوه . وكان ذا شهامة ونجابة وفروسية ، قد تمكن في بلاد الصعيد ، ثم توجه إلى القاهرة وأخذ الوزارة ، ثم توجه إلى