سنة اثنتي عشرة وأربعمائة
فيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين ابن موسى النيسابوري السلمي الصوفي . صحب جده أبا عمرو بن نجيد ، وسمع الأصم وطبقته ، وصنف التفسير والتاريخ وغير ذلك ، وبلغت مصنفاته مائة . وقال الخطيب : قدر أبي عبد الرحمن عند أهل بلده جليل ، وكان مع ذلك مجلوداً صاحب حديث . توفي في شعبان رحمه الله تعالى . وفيها توفي أبو عبد الله بن جعفر التميمي النحوي ، المعروف بالقزاز القيرواني . كان الغالب عليه النحو واللغة ، وله عدة تآليف ، وكان العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر قد تقدم إليه أن يؤلف كتاباً ، يجمع فيه سائر الحروف التي ذكر النحويون أن الكلام كله اسم وفعل وحرف جاملي . قال ابن الخزاز : وما علمت أن نحوياً ألف شيئاً من النحو على حروف المعجم سواه . وقال ابن رشيق : وكان مهيباً عند الملوك والعلماء وخاصة الناس ، محبوباً عند العامة ، قليل الخوض إلا في علم دين أو دنيا ، وله شعر مطبوع منصوع ، من ذلك قوله :
أما ومحل حبك في فؤادي * وقدر مكانه فيه المكين
لو انبسطت لي الآمال حتى * يصير من عنانك في يميني
لصنتك في مكان سواد عيني * وحطت عليك من حذر جفوني
فأبلغ منك غايات الأماني * وآمن فيك آفات الظنون
فلي نفس تجرع كل يوم * عليك بهن كاسات المنون
إذا أمنت قلوب الناس خافت * عليك خفي ألحاظ العيون
فكيف وأنت دنياي ولول * عتاب الله فيك لقلت ديني
وقوله :
أحين علمت أنك نور عيني * وأني لا أرى حتى أراكا
جعلت مغيب شخصك عن عياني * يغيب كل مخلوق سواكا
وبلغ جملة الكتاب الذي ألفه العبيدي ألف ورقة ، جمع فيه المفرق من الكتب النفيسة على أقصر سبيل ، وأقرب ما يؤخذ ، وأوضح طريق ، وكأنه قد اقترح عليه أن يؤلفه على حروف المعجم ، على وجه لم يسبق إليه كما تقدم .