تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
والهيثم بن علي ، في جماعة من هذا السن ، وحاجب الحسن يعرض عليه قصصاً ، وهو يوقع في كل قصة ما ينبغي لها ، حتى مر بخمسين قصة ، فلما نفض ما بين يديه أقبل علينا ، فقال : قد فعلنا في يومنا خيراً كثيراً ، ورفعنا في هذه القصص بما فيه فرح لأهلها ، ونرجوا أن نكون في كل ذلك مثابين مشكورين ، فأفيضوا بنا في حق أنفسنا نتذاكر العلم ، فتكلم أبو عبيدة والأصمعي والهيثم إلى أن بلغوا من ذكر ألفاظ من أصحاب الحديث ، فأخذوا في الزهري والشعبي وقتادة وشعبة وسفيان ، فقال أبو عبيدة : وما الحاجة إلى ذكر هؤلاء الجلة . وما ندري : أصدق الخبر عنهم أم كذب . إن بالحضرة رجلاً يزعم أنه ما نسي شيئاً ، وأنه ما يحتاج أن يعيد نظره في دفتر ، إنما هي نظرة ، ثم قد حفظ ما فيه ، " يقصد الأصمعي " فقال الحسن : نعم يا أبا سعيد ، تخبر من هذا إنما ينكر جداً ، فقال الأصمعي : نعم أصلحك الله ما أحتاج أن أعيد النظر في دفتر ، وما أنسيت شيئاً قط ، فقال الحسن : فنحن نجرب هذا القول بواحدة ، يا غلام ، هات الدفتر الفلاني ، فإنه يجمع كثيراً مما قد أنشدتناه ، وحدثتناه ، قال : فأدبر الغلام ليأتي بالدفتر ، فقال الأصمعي : أعزك الله وما الحاجة إلى هذا . أنا أريك ما هو أعجب منه ، أنا أعيد القصص التي مرت وأسماء أصحابها وتوقيعاتها كلها ، فامتحن ذلك بالنظر إليها ، وقد كان الحسن قد عارض بتلك التوقيعات ، وأثبتها في دفتر البيت ، قال : فأكبر ذلك من حضر ، وعجبوا واستضحكوا ، فقال الحسن : يا غلام ، أردد القصص ، فردت وقد شدت في خيط كي يتحفظ ، فابتدأ الأصمعي ، فقال : القصة الأولى لفلان ابن فلان قصة كذا وكذا ، ووقعت أعزك الله بكذا وبكذا - حتى أنفذ على هذا السبيل سبعاً وأربعين قصة ، فقال الحسن بن سهل : يا هذا حسبك الساعة ، والله أقبلك بعين ، يعني أصبتك بعيني ، يا غلام ، أحضر خمسين ألفاً ، فأحضرها بحراً ، ثم قال : يا غلمان ، احملوا معه إلى منزله ، قال : فتبادر الغلمان بحملها ، فقال : أصلحك الله تنعم بالحامل كما أنعمت بالمحمول . قال : هم لك ، ولست منتفعاً بهم ، واشتريتهم منك بعشرة آلاف درهم ، احمل يا غلام مع أبي سعيد ستين ألفاً ، قال : فحملت معه ، وانصرف الباقون بالخيبة ، فقال أبو حاتم : ما رأيت رجلاً أحسن ترجمة من الأصمعي ، وسألته : لأي شيء قدم جرير بن قدامة . قال : كان أعرفهم وأعز لهم وأقدمهم رقة ، وأتحمهم هجاء ، قال أبو حاتم : معنى التحكم " بالمثناة من فوق والحاء المهملة " التي أنصبتهم . وروى الرياشي عن الأصمعي قال : سألت أبا عمرو بن العلاء عن ثمانية آلاف مسألة ، وما مات حتى أخذ وفي رواية أخرى : ما مات حتى كتب : أو رد عليه الحرف الذي لا يعرفه ، فيقبله مني ويتعقد ثقة . وذكر في " المقتبس " أنه لما قدم الرشيد البصرة ، قال جعفر بن يحيى للصباح بن