ومن شعره في مدح المطلب بن عبد الله الخزاعي أمير مصر :
زمني بمطلب سقيت زماناً * ما صرت إلا روضة وجنانا
كل الندى إلا نداك تكلف * لم أرض غيرك كائناً من كانا
أصلحتني بالبر يدك فسدتني * وتركتني السخط الإحسانا
ومما حكاه دعبل قال : كنا يوماً عند فلان ابن فلان الكاتب البليغ ، وسماه ، ولكن كرهت ذكره لوصفه له بما يقبح ذكره قال : وكان شديد البخل فأطلنا الحديث ، واضطره الجوع إلى أن استدعى بغذائه فأتي بقصعة فيها ديك فرم لا يقطعه السكين ، ولا يؤثر ضرس ، فأخذ كسرة خبز فخاض بها مرقته ، وقلب جميع ما في القصعة ، ففقد الرأس ق مطرقاً ساعة ، ثم رفع رأسه ، وقال للطباخ : أين الرأس ؟ قال : رميت به ، قال : ولم ؟ قال ظننت أنك لا تأكله ، قال : لبئس ما ظننت ، ويحك ، والله لأمقت من يرمي رجليه ، فكيف من يرمي رأسه ، والرأس رئيس ، وفيه الحواس الأربع ، ومنه يصيح ، ولولا صوته لما فضل وفيه عرقه الذي يتبرك به ، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل ، فيقال شراب كعين الديك ودماغه عجيب لوجع الكليتين ، ولم ير عظم قط أحسن من عظم رأسه ، أو ما علمت أنه . من طرف الجناح ومن الساق والعنق ؟ فإن كان قد بلغ مني بتلك أنك لا تأكله فانظر رميت به ؟ قال : لا أدري أين هو ، قال : لكني أدري أين هو ، رميت به في بطنك ، فالله حسيبك .
ولما مات دعبل وكان صديق البحتري وكان أبو تمام قد مات قبله رثاهما البحتري بأبيات منها :
قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي * مثوى حبيب يوم مات ودعبل
جوى لا زال السماء محيلة * يغشا كما يماء مزن مسبل
حدث على الأهواز يبعد دونه * مسيري النغى ورمسة بالموصل
وفيها توفي الإمام اللغوي النحوي أبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت " بكسر السين المهملة وتشديد الكاف وسكون المثناة من تحت وبعدها مثناة فوق " ، صاحب كتاب " إصلاح المنطق " وغيره من التصانيف في علم اللغة والنحو معاني الشعر ، وفسر دواوين الشعر ، وجمع في ذلك قول البصريين والكوفيين ، وأجاد وجاوز فيها تفسير كل من تقدمه على ما ذكر المرزباني فقال : ولم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم منه ، وكان
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 109
مساهمون: خليل المنصور
ص١٠٩