إصلاح المنطق كتاب بلا خطبة ، وأدب الكاتب خطبة بلا كتاب ، لأن خطبته مطولة مودعة فوائد ، وعددوا له أيضاً من التصانيف المفيدات غير كثير .
سنة خمس وأربعين ومائتين
وفيها توفي محمد بن هشام بن عوف التميمي السعدي ، كان ممدوحاً بالحفظ وحسن الرواية . قال مورج " بكسر الراء المشددة والجيم " أخذ مني كتاباً فحبسه ليلة ، ثم جاء به ، وحفظه بالحفظ وحسن الرواية . قال محمد بن هشام المذكور : لما قدمت مكة لزمت مجلس ابن عيينة فقال لي يوماً : لا أراك تخطىء بشيء مما تسمع ؟ . قلت : وكيف ذلك . قال : لا أراك تكتب ؟ فقلت : إني أحفظه . فاستعاد مني مجالس ، فأعدتها على الوجه .
قال : حدثنا الزهري عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال : يولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء قال : وضرب بيده على جنبي وقال : أراك صاحب سبعين أو قال : من أصحاب السبعين ، وقيل لسعدي المذكور : مات الضعفاء في هذا الغد ، وسلم الأقوياء فقال : أنا سمعت :
رأيت جلتها في الحدب باقية * ينقي الجواسي عنها حين يزدحم
لأن الرياح إذا ما أعصفت قصفت * عيدان نجد لم يعبأ بها السلم
وأنشد أيضاً :
وما يواسيك في ما ناب من حدث * إلا أخو ثقة فانظر بمن تثق
وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله الخبير أبو الفيض ثوبان ، وقيل الفيض بن إبراهيم المصرفي المعروف بذي النون ، أحد رجال الطريقة ، كان لسان هذا الشأن ، وأوحد وقته علماً وورعاً وحالاً وأدباً ، وكان أبوه نوبياً ، سئل عن سبب توبته فقال : خرجت من مصر إلى بعض القرى ، فنمت في الطريق في بعض الصحارى ، ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة ؟ عمياء سقطت من وكرها ، فانشقت الأرض ، فخرج منها سكرجتان إحداهما ذهب ، والأخرى فضة ، وفي إحداهما سم ، وفي الأخرى ماء ، فجعلت تأكل من هذا ، وتشرب من هذا ، فقلت : حسبي قد تبت ، ولزمت الباب إلى أن قبلني ، وكان قد سعوا به إلى المتوكل ، فاستحضره من مصر ، فلما دخل عليه وعظه ، فبكى المتوكل ، ورده مكرماً ، وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكي ويقول : إذا ذكر أهل الورع حي هلا بذي النون .