[ حديث الغدير المتواتر بين المسلمين ، أو قطعة من خطبة رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ب " غدير خم " في إعلام الناس بمنزلة علي علي عليه السلام من رسول الله
ونصبه علما للناس ومفزعا لهم بعد وفاته صلى الله عليه وآله ] .
ثم قوله [ صلى الله عليه وآله ] له في " غدير خم " : " من كنت مولاه فعلي
مولاه " [ يكون ] إبانة له منهم ، وتقريبا له من نفسه ، ليعلموا أنه لا منزلة أقرب إلى
النبي صلى الله عليه من منزلته .
فإن قال قائل : إنما قال ذلك النبي عليه السلام في ولاء النعمة ، ومعنى الحديث
في زيد بن حارثة لأنهما قد كانت بينهما مشاجرة ، فادعى علي بن أبي طالب ولاء زيد
ابن حارثة ، وأنكر ذلك زيد ( 1 ) فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال : " من كنت مولاه
هامش
( 1 ) إلى الآن لم أظفر على سند لهذا الحديث ، بل ولا على مصدر له غير ما أبداه أبو جعفر ها هنا من قبل المنحرفين
عن علي عليه السلام ، ذكره كي يبطله ويسد باب تعلق المبطلين وتمسكهم به .
نعم ، ذكر الحافظ ابن عساكر في الحديث : ( 590 ) من ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
من تاريخ دمشق : ج 2 ص 86 ط 1 بسنده ما لفظه :
عن مسروق بن ماهان التيمي ، عن أبي بسطام مولى أسامة بن زيد : أنه كان بين علي وبين أسامة [ شئ ]
فقال [ أسامة ] : والله إني لا أحبه ! ! قال : فكأنه دخل على علي من ذاك [ أذى وغم ] فقال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم : لا أراك تتناول عندي عليا من كنت مولاه فعلي مولاه .
وكيفما كان فقصة زيد رحمه الله أو ابنه أسامة لا سبيل إلى إثباتها والاعتقاد بتحققها في عالم الخارج ،
لعدم السند والمصدر للأول ، وضعف سند الثاني ، فالقصتان من قبيل كلام الليل الذي يمحوه النهار ، وهو
حديث الغدير المتواتر بين المسلمين .
وعلى فرض ثبوتهما أيضا لا تعارضان حديث الغدير ، إذ زيد بن حارثة رضوان الله عليه قد استشهد قبل
" غدير خم " نحو سنتين .
وهكذا قصة أسامة على فرض ثبوتها أيضا لا تعارض حديث الغدير لأنه لم يعلم في أي تاريخ أبدى أسامة
ما في نفسه ، وعصى قوله رسول الله صلى الله عليه وآله : " من آذى عليا فقد آذاني " .
ولعله كان قبل غدير خم . وعلى فرض تأخرها عن غدير خم ، ونصب رسول الله عليا علما للناس
أيضا لا تعارض حديث الغدير ، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر أسامة ونبهه على لوازم مولوية
علي عليه السلام التي سجلها عليهم ، وأخذ ميثاقهم في غدير خم على الالتزام بها والقيام بلوازمها ، ومن جملة
لوازمها أن المولى على مثل أسامة وسائر المسلمين يجب عليهم أن يحبوا إمامهم وخليفة رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم .
ومما يقوي هذا الاحتمال ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوسم فيهم من أنهم سيخالفون أوامره
ووصاياه في حق وصيه وخليفته ، ولهذا في أواخر أيامه ومرض وفاته أمره على جيش ، وجعل تحت إمارته
أبا بكر وعمر وأكابر المهاجرين ، وأكد عليه أن يفصل المدينة ويغير على الروم بأرض مؤنة ، وبلغ من تأكيده
صلى الله عليه وآله في ذلك أنه مرارا كان يقول نفذوا جيش أسامة ، حتى ورد من طريقهم أنه قال :
لعن الله من تخلف عن جيش أسامة .
فتسامح أسامة في المسير بعد ما عسكر خارج المدينة حتى راوغ شيوخ القوم في الرجوع إلى المدينة ، ثم هو
أيضا لم يبرح من معسكره حتى توفي النبي صلى الله عليه وآله فرجع إلى المدينة .
ثم أسامة في أيام خلافة أمير المؤمنين عليه السلام تخلف عنه وأبدى عذرا كان أكبر من الجرم الذي كان
قد ارتكبه فكان يجعله عذرا ووسيلة للتخلف عن أمير المؤمنين عليه السلام .
ومن هذا ينفتح احتمال اختلاق أبي بسطام للحديث كاحتمال اختلافه من ماهان التيمي لأنهما ورثا الانحراف
عن كلالة : ! .