عامل آخر أيضا وهو كميّة العرض والطلب ، وهذا العامل ليس مؤثّرا في القيمة الاستعماليّة .
إذا اتّضح هذا قلنا في المقام : إنّ القيمة الاستعماليّة للشيء في الواقع هي وصف من الأوصاف القائمة بالشيء ، فإنّها عبارة عن قابليّة الشيء للانتفاع به ، وهي حيثيّة قائمة به كسائر حيثيّاته القائمة به كسواده ونعومته وهذه الحيثيّة تستند إلى أمور خارجيّة وأمور نفسيّة ، فإنّها كما تستند إلى سواد العباءة ومتانتها مثلا ، كذلك تستند إلى الحاجة إلى العباءة ، وكون الجوّ حارّا أو باردا ، وكذلك ماء البئر يستند في قابليّته لإشباع حاجة الإنسان إلى صفائه وعذوبته ، وإلى انشراح الإنسان له ، فقيمته الاستعماليّة تضعف بإيجاد تنفّر الطباع عنه ، ويكون ذلك من قبيل ما لو أوجد شخص حركات معيّنة ومشاغبات في بيت شخص بحيث أوهم أنّه مسكون للجن ، وبذلك اشمأزّت الطباع منه من دون أن يؤثّر في هذا البيت شيئا ، فهذا قد قلَّل القيمة الاستعماليّة للبيت ، وتقليلها كتقليل أيّ حيثيّة من الحيثيّات القائمة بالبيت يوجب الضمان ، فلو قلَّلها بعنوان الإتلاف يوجب الضمان بقاعدة الإتلاف ، ولو قلَّت تحت يده ويده يد ضمان ثبت الضمان بمقتضى قاعدة اليد كلّ حسب شرائطه وقانونه .
وأمّا لو فرض أنّ القيمة الاستعماليّة لم تقلّ بوجه من الوجوه ، وإنّما قلَّت القيمة التبادليّة من باب زيادة العرض بحسب الخارج ، فهذا ليس ضررا ونقصا فيما هو تحت يد المالك فعلا ، وإنّما النقص أمر تقديري تعليقي يعني : لو أنّه بدّله بمال آخر سابقا لحصل على مال أكثر ممّا يبدّله به الآن ، ومثل هذا النقص التعليقي ليس ضررا بالفعل ، ولا ينبغي أن يقاس به محل الكلام . وتحقيق المطلب مفصلا موكول إلى بحث المكاسب [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] الإضرار بالنفس وفي ختام بحث ( لا ضرر ) لا بأس بالإشارة إلى مسألة الإضرار بالنفس ضررا غير واصل إلى مستوى يشمله دليل حرمة الإلقاء في التهلكة ونحو ذلك ، لكي نرى هل يمكن إثبات تحريمه ب ( لا ضرر ) كما يثبت تحريم الإضرار بالغير من دون رضاه ب ( لا ضرر ) ، أو لا ؟ وإن كان يتّضح ذلك بالتأمّل فيما مضى من الأبحاث السابقة .
ونشرح ذلك وفق مبنيين من المباني في تفسير ( لا ضرر ) :
الأوّل : مبنى تفسيره بنفي الحكم الضرري ، فعلى هذا المبنى من الواضح عدم دلالة ( لا