ثمّ يقول قدّس سرّه بعد أسطر ما هذا لفظه : العلم الإجماليّ إنّما يقتضي وجوب الموافقة القطعيّة إذا كانت الأصول النافية للتكليف الجارية في الأطراف متعارضة ( 1 ) . وهذا الكلام وإن كان يقبل التأويل ، لكنّ ظاهره يوافق ما في أجود التقريرات ، من أنّ العلم الإجماليّ لا يقتضي أصلا وجوب الموافقة القطعيّة ، إلَّا بلحاظ تعارض الأصول . هذا ، والمحقّق العراقي رحمه اللَّه ينظر إلى ما أفاده المحقّق النائينيّ قدّس سرّه من كون جريان الأصل في أحد الطرفين مساوقا لجعل البدل ، وحصول الموافقة القطعيّة التعبّديّة ، فيقول ( 2 ) : إنّ جعل الأصل في المقام مساوق لجعل البدل إن أريد به : أنّ الأصل يدلّ على جعل الطرف الآخر بدلا عن الواقع ، فهذا غير صحيح ، فإنّ الأصل لا يدلّ على ذلك ، لا بالمطابقة كما هو واضح ، فإنّ مفاده إنّما هو البراءة عن هذا الطرف ، ولا ينظر إلى حال الطرف الآخر ، ولا بالالتزام [ 1 ] ، لعدم حجّيّة المداليل الالتزاميّة للأصول . وإن أريد بذلك : أنّ دليل الأصل - كقوله : ( رفع ما لا يعلمون ) الَّذي هو أمارة - يدلّ بالالتزام على جعل البدل في المرتبة السابقة على جعل الأصل ، لأنّ المفروض أنّ الأصل لا يجري في هذا الطرف إلَّا مع فرض جعل البدل حتّى تتحقّق الموافقة القطعيّة التعبّديّة ، ورد عليه : أنّ الأصل لا يتوقّف على مجرّد جعل البدل في المرتبة السابقة ، فإنّه لا تتحقّق بذلك الموافقة القطعيّة التعبّديّة ، بل يتوقّف على وصول جعل البدل في المرتبة السابقة ، فيستحيل تحقّق الوصول من نفس دليل الأصل ، وبكلمة أخرى : أنّ دليل الأصل لا بدّ أن يدلّ بالدلالة الالتزاميّة على أنّك عالم بجعل البدل ، وهذا كذب ، فالدلالة الالتزاميّة ساقطة في المقام ، فلا يجري الأصل [ 2 ] .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 62
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٢
شرح
[ 1 ] مقصود المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه من الدلالة الالتزاميّة في المقام هو أنّ الأصل المرخّص إن كان تنزيليّا ، فكان لسانه لسان أنّ هذا الطرف حلال واقعا ، فقد يقال : إنّ لازم كونه حلالا واقعا كون الآخر حراما ، للعلم الإجماليّ بحرمة أحدهما ، فيجيب عن ذلك بأنّ هذا تمسّك بالأصل المثبت .
[ 2 ] نعم ، لو كان دليل الأصل صريحا في جريانه في أحد الطرفين ، كان هذا كناية عرفا
هامش
( 1 ) راجع فوائد الأصول : ج 4 ، ص 13 . .
( 2 ) راجع نهاية الأفكار : القسم الثاني من الجزء الثالث ، ص 313 - 315 . .