الوضوء عن الشريعة رأسا ، وهذا ما لا يحتمل ، ونسخه في حقّ هذا بالخصوص لا يمكن أن يصل إليه .
النكتة الثالثة : أنّ المكلَّف لو كان عالما بالضرر ولم يكن عالما بوجوب الوضوء فهنا حكموا ببطلان الوضوء . وهذا إنّما ينسجم مع فرض كون مدركهم حرمة الضرر التي لا يفترق في حسابها كون المكلَّف عالما بالوجوب وعدمه ، ولا ينسجم مع فرض كون المدرك قاعدة ( لا ضرر ) ، فإنّ القاعدة لا تجري في صورة عدم تنجّز الحكم ، فإنّها إنّما تنفي الحكم عند نشوء الضرر منه ، والحكم عند عدم تنجّزه لا ينشأ منه الضرر .
ويرد عليه بغضّ النّظر عمّا عرفت : من أنّ ذلك لا ينافي استنادهم في نفى وجوب الوضوء إلى ( لا ضرر ) أيضا : أنّ ما ذكره مساوق لكون الحكم بنفي الضرر في حقّ هذا الشخص مشروطا بعدم الوصول والتنجّز ، ومثل هذا إمّا غير معقول على ما ذهب إليه بعض كالمحقّق الأصفهاني رحمه اللَّه ، أو غير عرفي بحيث يرى العرف نفى إطلاق الحكم لصورة تنجّزه دالا على نفي أصل الحكم .
ومن تلك الموارد خيار الغبن ، وخيار تبعّض الصفقة ونحو ذلك . فذكر المحقّق العراقي قدّس سرّه : أنّ مدرك الأصحاب قدّس سرّهم في هذه الخيارات في الحقيقة شيء آخر غير ( لا ضرر ) وهو التسالم بين الأصحاب ، والاستشهاد ب ( لا ضرر ) يكون من قبيل التعليل بعد الوقوع ، فإنّ خيار الغبن وإن كان في مورد الضرر المالي على المغبون ، لكن في موارد إخوته كخيار تبعّض الصفقة لا يوجد ضرر مالي ، وأمّا الضرر الغرضي بمعنى تخلَّف الغرض إذا كان غرضه متعلَّقا بمجموع الصفقة ، فليس ضررا موجبا للخيار ، وإلَّا للزم ثبوت الخيار في كلّ موارد تخلَّف الغرض ، كما لو اشترى دواء لغرض مداواة مريضه وحينما وصل إلى البيت رأى أنّ المريض قد طاب أو مات مثلا .
ثمّ في مورد خيار الغبن وإن كان الضرر المالي ثابتا ، ولكنّ قاعدة ( لا ضرر ) لا تثبت الخيار بالنحو المفتي به عند الأصحاب من كونه حقّا يقبل الإسقاط والإرث ، فإنّ غاية ما يدلّ عليه ( لا ضرر ) نفي اللزوم الأعمّ من الجواز الحقّي والجواز الحكمي الَّذي لا يسقط ولا يورث ، فكيف أفتوا بصحّة الإسقاط والإرث ؟ إذن فليس مدركهم في الخيار هو قاعدة ( لا ضرر ) .
أقول : نذكر هنا بعض ما ينبغي أن يعلَّق به على كلامه قدّس سرّه ، ثمّ نشرع في تفصيل
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 569
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٦٩