عبده مثلا بالتفتيش عن كتاب في المكتبة الفلانيّة لغرض تحصيل ذاك الكتاب ، ولكن ليس اهتمامه بهذا الغرض بدرجة يطلب من عبده التفتيش في جميع المكتبات حتى المكتبات الموجودة في غير بلده ، فيقتصر على طلب التفتيش في المكتبة الفلانيّة الموجودة في بلده ، وعليه فليس من المحتّم افتراض لزوم الإتيان بجميع الأمور الاختياريّة التي هي في الواقع الدخيلة في تحصيل الغرض إعداديّا ، كي لا تجري البراءة في فرض الشكّ في داخل أمر اختياري ما في ذلك ، بل نشكّ في أصل مطلوبيّة تمام هذه الإعدادات المتعدّدة وعدمها ، وهذا هو ما قلناه من دوران الغرض بين الأقلّ والأكثر .
الفرضيّة الثالثة : أن يفترض أنّ الغرض عبارة عن نفس الأفعال : أمّا بذاتها كالسجود ، بناء على أنّ يكون وجوبه لحسنه الذاتي ، وكونه بذاته كمالا للعبد لا لغرض آخر متولَّد منه ، أو بعنوان منطبق على تلك الأفعال ، كما لو فرضنا أنّ إيجاب الصلاة مثلا لم يكن لأجل غرض متولَّد من نفس متعلَّق التكليف بما هو ، بل لأجل أن يتّصف الإتيان به بعنوان طاعة المولى ، التي هي بنفسها كمال للعبد ، فالغرض إذن مردّد بين الأقلّ والأكثر . بل لو كان الغرض حصول الطاعة فعند جريان البراءة عن الزائد تحصل الطاعة بالباقي .
الفرضيّة الرابعة : أن يفرض الغرض مردّدا بين المرتبة الضعيفة والمرتبة الشديدة ، كأن يتردّد الأمر بين أن يكون الغرض هو الارتواء الضعيف الَّذي يحصل بكأس واحد من الماء ، والارتواء الشديد الَّذي يحصل بكأسين من الماء ، بمعنى أن يكون الارتواء الشديد بمرتبته مطلوبا واحدا ، لا بمعنى مطلوبيّة المرتبة الضعيفة مع مطلوبيّة المقدار الزائد كي ينافي ذلك فرض ارتباطيّة الواجب ، فإذا تردّد الغرض بين المرتبة الضعيفة لشيء والمرتبة الشديدة له جرت البراءة بلحاظ المقدار الزائد ، لأنّ المرتبة الضعيفة مطلوبة إمّا استقلالا أو ضمنا ، وكون الزائد مطلوبا غير معلوم .
الفرضيّة الخامسة : أن يفرض أنّ كلّ جزء من هذه الأجزاء يترتّب عليه أثر مستقلّ ، والغرض كان عبارة عن نفس تلك الآثار ، فتردّد أمر الغرض بين الأقلّ والأكثر .
ولا ينافي ذلك فرض ارتباطيّة الواجب ، وذلك لإمكان افتراض أنّ الغرض عبارة عن مجموع تلك الآثار ، لا عن كلّ واحد منهما ، كما لم يكن ينافيه فيما مضى من الفرضية الثالثة - وهي افتراض كون الغرض عبارة عن نفس الأفعال - حيث كان
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 324
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٢٤