وبرهن المحقّق الأصفهانيّ على أنّ العلم الإجماليّ علم بالجامع مع شكوك في الأفراد بأنّ العلم إمّا أنّه لا يتعلَّق بشيء ، أو يتعلَّق بالجامع ، أو يتعلَّق بالفرد بحدّه الشخصيّ مردّدا ، أو بالفرد المعيّن . أمّا الأوّل وهو عدم تعلَّق العلم بشيء ، فباطل ، فإنّ العلم من الأوصاف ذات الإضافة . وأمّا الثالث ، فقد فرغنا عن بطلانه . وأمّا الرابع ، فمن الواضح أنّنا لا نعلم بأحد الفردين معيّنا ، فلا نقطع بوجود زيد مثلا في المسجد ، ولا بوجود عمرو فيه . فتعيّن أنّ العلم متعلَّق بالجامع بينهما ، وقال ( 1 ) رحمه اللَّه : إننا نعلم بشيئين : نعلم بوجود إنسان في المسجد ، وهو الجامع ، ونعلم - أيضا - أنّ ذاك الإنسان ليس غير زيد وعمرو ، وهو قدّس سرّه وإن عبّر بوجود علمين في المقام ، لكن - في الحقيقة - يوجد علم واحد متعلَّق بإنسان ليس غير زيد وعمرو ( 2 ) ، فلا يقال : قد نحتمل أو نعلم بوجود شخص آخر أيضا . ويمكن إقامة صورة برهان أيضا في قبال هذا البرهان ، وهي أنّنا وإن كنّا نعلم بوجود الجامع في المسجد ، لكنّنا نعلم - أيضا - بشيء زائد على هذا ، فإنّنا عرفنا في المنطق أنّ الجامع لا يوجد إلَّا في ضمن خصوصيّة الفرد ، ولا يوجد مستقلَّا عن الأفراد ، فنعلم - لا محالة - أنّ هذا الجامع ليس باستقلاله موجودا في المسجد ، بل توجد خصوصيّة في المسجد ، فقد تعدّى علمنا من الجامع إلى خصوصيّة زائدة ، ثمّ ننقل الكلام إلى تلك الخصوصيّة الزائدة التي تعلَّق بها العلم ، فنقول : هل هي - أيضا - جامع أو جزئيّ ؟ فإن فرضت جامعا أعدنا البرهان ، وقلنا : إنّه لا يوجد إلَّا في ضمن خصوصيّة . . . وهكذا إلى أن يتسلسل وهو مستحيل ، أو ينتهي الأمر إلى الفرد ، فالعلم يتعلَّق بالفرد لا بالجامع . وكأنّ ما ذكره المحقّق الأصفهانيّ قدّس سرّه من أنّنا نعلم - مضافا إلى الجامع - بأنّ هذا الجامع ليس غير زيد وعمرو علاج لهذا المطلب ، أي : ما يرى من أنّ العلم تعدّى من الجامع إلى شيء زائد على الجامع ، ولكنّ هذا الشيء الزائد إن كان بنفسه جامعا
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 20
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٠
هامش
( 1 ) في نهاية الدراية : ج 2 ، ص 242 . .
( 2 ) وهو المستفاد ممّا في نهاية الدراية : ج 2 ، ص 202 . .