ومن هنا يظهر دفع الوجه الثاني بعد ما عرفت من أنّه لا شاهد على كون الآية بصدد التحدّث عن العذاب الواقع في الأمم السالفة عدا التعبير بصيغة الماضي ، ووجه الاندفاع هو أنّ التعبير بالماضي يكون بنكتة أنّ المقصود هو نفي الشأنيّة لا نفى الفعليّة ، والشأنيّة منفيّة من أوّل الأمر .
على أنّ سياق الآية يناسب أن يكون النّظر إطلاقا ، أو اختصاصا إلى العذاب الأخرويّ ، إذ في ما قبل الآية [ 1 ] يتحدث عن يوم القيامة ، وفي نفس هذه الآية يتكلَّم عن قانونين : أوّلهما :
قانون أخرويّ ، ( قال تعالى ) : من اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ، ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولًا فالقاعدة الأولى هي : أنّ غير العاصي لا يعذّب بعذاب العاصي ، وكلّ شخص تكون هدايته وضلاله له وعليه ، وهذا من قوانين جزاء الآخرة ، بل لا ينطبق
شرح
- الاستحقاق فحسب ، بل هناك تأثيرات وضعية ونظم خاصّة مرتبطة بشأنيّة إنزال العذاب في الدنيا ، فاللَّه ( تعالى ) يخبر بأنّه ليس من شأنه إنزال العذاب الَّذي هو بدافع هداية الآخرين على الأمّة مع وجود الرسول فيهم رغم استحقاق الأمّة لما فيه من هلاك الرسول معهم المرسل لهداية الناس ، وليس من شأنه أيضا إنزال العذاب في الدنيا وهم يستغفرون ، لأنّ العذاب في الدنيا يكون بدافع الهداية ، والاستغفار هداية وحصول للمقصود ، فلا معنى لإنزال العذاب .
[ 1 ] والآيتان اللتان وقعتا قبل هذه الآية ما يلي : وكلّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه ، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ، اقرأ كتابك ، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا .