ويتحصّل أيضا من كلماتهم نقوض على هذا الوجه :
الأول - النقض باستصحاب عدم التكليف الحاكم على قاعدة قبح العقاب بلا بيان .
والثاني - النقض بسائر موارد حكومة أصل على أصل مع موافقتهما في النتيجة كما في استصحاب الطهارة وأصالته ، واستصحاب الحل وأصالته ، والأصل السببي والمسبّبي المتوافقين في النتيجة .
والثالث - النقض بحجيّة أمارة قامت على عدم حجّية شيء ما .
والتحقيق أنّ شيئا من هذه الأجوبة الحليّة والنقضيّة غير صحيح ، وذلك لأنّ موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا يرتفع باستصحاب عدم الحجّية وإن بنى على كون موضوعها عدم البيان من كلا الطرفين ، فإنّ المقصود من عدم البيان هو عدم بيان التكليف ، واستصحاب عدم الحجّية لا يبيّن عدم التكليف وإنّما يثبت عدم كون هذا الَّذي شككنا في حجّيته طريقا إليه فلا موضوع لما مضى من الجواب الحلَّي .
وقد ظهر بذلك الجواب على النقض الأول فإنّ دعوى أنّ للعقل حكمين على موضوعين متغايرين إن تمّت فإنّما تثبت حكومة استصحاب عدم التكليف على قاعدة قبح العقاب بلا بيان . فيقال ( بحسب تعبيرات المشهور ) : إنّ موضوع الحكم الأول للعقل بقبح العقاب كان عبارة عن عدم بيان التكليف ، وقد انتهى ذلك وثبت بيان العدم تعبّدا وهو موضوع لحكم ثان للعقل بقبح العقاب بنحو أشدّ من القبح الأوّل . أو يقال - بحسب تعبيراتنا : إنّ الحكم الأول كان عبارة عن قبح العقاب عند عدم بيان اهتمام المولى ، وبالاستصحاب يثبت بيان عدم اهتمام المولى وجدانا فينتفي موضوع الحكم الأول ، ويترتّب على بيان عدم الاهتمام وجدانا حكم ثان للعقل بقبح العقاب بنحو أشد من القبح الأول . هذا كلَّه في استصحاب عدم التكليف . وأمّا فيما نحن فيه فلا مجال لذلك فإنّ استصحاب عدم
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 87
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٨٧