هذا تمام الكلام في المقام الأول وقد عرفت عدم ثبوت المقتضي في الآية الشريفة للدلالة على حجّية خبر الواحد .
المانع عن دلالة المفهوم :
وأمّا المقام الثاني - وهو في بيان المانع بعد فرض تماميّة المقتضي للمفهوم ، فالمانع إمّا داخلي يهدم الظهور ، وإمّا خارجي يهدم الحجّية .
شرح
- وهي أنّ نظام اللَّغة يقتضي انطباق المرجع والضمير على مصداق واحد . فهنا هل يكون المفهوم سالبة بانتفاء الموضوع ، لأنّ قيد الموضوع قد انتفى على أيّ حال بانتفائه ؟ أو يتمّ المفهوم ، لأنّ الموضوع لولا الشرط لم يكن مقيّدا بهذا القيد ؟ . الظاهر عرفا - بناء على مذاق الإيمان بمفهوم الشرط - هو الثاني ، فلا إشكال في مثل قوله : النبأ إن جاء به الفاسق وجب التبيّن عنه في دلالة الكلام على المفهوم رغم أنّ الفسق قيد في موضوع وجوب التبيّن ، ولكنّه قيد فهم بالشرط بمعونة تلك النكتة ، وقبل الشرط ليس قيدا ، لوضوح أنّ الضمير رجع إلى طبيعي النبأ .
ولعلّ هذا هو مقصود المحقّق الأصفهانيّ - رحمه الله - حيث يقول : إنّ النبأ في مرتبة الموضوع مطلق ، فيتمّ المفهوم ، وفي مرتبة الشرط مقيّد فلا يلزم وجوب التبيّن عن نبأ العادل عند وصول نبأ الفاسق .
ولعلّ هذا أيضا هو مقصود المحقّق العراقي رحمه اللَّه حيث يقول : إنّ موضوع المفهوم يجب أن يجرّد عن القيد المستفاد بالشرط .
وخلاصة الكلام في الآية المباركة :
أنّه إذا كان التبيّن راجعا إلى حال الفاسق فلا مفهوم لها لانتفاء الموضوع بانتفاء مجيء الفاسق بنبأ .
وإذا كان راجعا إلى ما يقتنص من كلمة ( جاءكم ) أي أنبأكم ، فلا مفهوم لها ، لاحتمال رجوعه إلى نبأ الفاسق ، وهو ينتفي بانتفاء الشرط .
وإذا كان راجعا إلى النبأ ، وفسّرناه بمعنى الإخبار فلا مفهوم لها ، لأنّ النبأ يتحصّص بطرفيّته للنسبة الناقصة ، فيحتمل رجوع الجزاء إلى نبأ الفاسق . وإذا كان راجعا إلى النبأ بمعنى المخبر به والمنبأ عنه . والقصّة كانت الآية دالَّة على المفهوم ، لأنّ الشرط الثاني الَّذي أضافه أستاذنا الشهيد - رحمه الله - غير مقبول ، فلا يتمّ المفهوم إذن للآية الكريمة إلَّا إذا جزمنا بظهور الآية في المعنى الأخير .