شرح
- الحجّيّة فكما لا يتعدّى إلى الأمارة الثانية كذلك لا يبقى مبرّر لحجّيّة مثبتات الأمارة ، إذ لعلّ نكتة الحجّية التي ليست هي الكشف محضا تختص بالمفاد الأوّلي للأمارة .
والواقع أنّ دليل حجّيّة الأمارة تارة يفرض شموله ابتداء لمثبتات الأمارة في عرض شموله للمدلول الأوّلي لها ، وعندئذ لا شكّ في حجّيّة مثبتاتها من دون أن ينتقض ذلك بعدم حجّية الأمارة الثانية كما هو واضح . مثاله : ما إذا كان الدليل على حجّية خبر الثقة عبارة عن السيرة العقلائية التي نسبتها إلى المفاد الَّذي قصده المخبر وملازماته التي لم يقصدها على حدّ سواء .
وأخرى يفرض أنّ دليل حجّية الأمارة انصبّ بمضمونه ابتداء على المدلول الأوّلي للأمارة ، لكنّنا تعدّينا إلى مثبتات الأمارة بعدم الفرق ، وهذا هو الَّذي يمكن أن يتخيّل وروده نقضا على المقام ، فيقال : لو استظهر من دليل الحجّيّة أنّ تمام الموضوع للحجّيّة هو هذه المرتبة من الكشف فكما نتعدّى من الدلالة المطابقيّة إلى الملازمات كذلك نتعدّى من خبر الثقة مثلا إلى كلّ ما يساويه في الكشف ، ولو لم يستظهر ذلك لم نتعدّ لا إلى ما يساوي خبر الثقة في الكشف ولا إلى الملازمات .
والجواب : أنّ الأخبار الإلزاميّة مثلا حينما جعلت حجّة يكون المستظهر لنا من دليل حجّيّتها أنّه كان الملاك في الحجّية أنّ صدقها أكثر من كذبها الموجب لكون حجّيّتها مربحة للمولى للملاكات الإلزاميّة أكثر ممّا تخسّر المولى ملاكات ترخيصيّة ، و - على الأقلّ - نحتمل أن يكون النّظر إلى الأكثريّة العدديّة للصدق من الكذب لا مجرّد أقوائيّة الاحتمال بمعناها النفسيّ . وهذه الأكثريّة العدديّة بهذه النسبة قد تكون غير محفوظة في الشهرات المتساوية في الكشف لخبر الثقة ، أو الأقوى منها مثلا بعد استثناء ما طابقت منها مع أخبار الثقات ، لاحتمال وقوع أكثر الشهرات الصادقة في دائرة ( ما طابق الأخبار ) .
ولا يأتي مثل هذا البيان في الدلالات الالتزاميّة ، بأن يقال : إنّ المثبتات بعد استثناء ما طابق منها صدفة لدلالات مطابقيّة لأخبار أخرى لعلّ نسبة الصدق في الباقي منها إلى الكذب فيه تكون أقلّ من نسبة الصدق في الدلالات المطابقيّة إلى الكذب فيها .
فإنّه يقال في الجواب على ذلك : إنّنا نشير إلى ذاك العدد من الأخبار التي لم تكن مثبتاتها مستفادة من أخبار أخرى بالمطابقة ونقول : إنّ الدلالات المطابقيّة لتلك الأخبار نسبة مساهمتها في خلق الترجيح بغلبة الصدق في أيّ دائرة وضعت لا تكون أكبر من نسبة مساهمة مثبتاتها في خلق ذاك الترجيح حينما توضع في نفس تلك الدائرة بدلا عن دلالاتها المطابقيّة ، إذ المفروض أنّه لا يحتمل كذب اللوازم مع كذب المطابقيّة ، فنستدلّ بحجّيّة دلالاتها المطابقيّة على حجّية المثبتات .