النصف ، كما فرّق بذلك أبو هلال العسكري بين العدل والانصاف .
ولكن هذا المعنى لا ينبغي أن يكون مقصوداً من هذه القاعدة قطعاً . وذلك لأنّ لفظ الانصاف في نص القاعدة بمعنى ما يرادف العدل ، دون ما يغايره كما جاء في كلام أبي هلال .
وذلك أولا : بقرينة إرداف الانصاف للعدل في متن القاعدة . فانّ ظاهر ذلك إفادة اللفظين معنى واحداً هو مفاد هذه القاعدة .
وثانياً : لأنّ عمدة دليل هذه القاعدة هي حكم العقل وسيرة العقلاء . ومن الواضح أنّ الذي يراه العقل في حكمه والعقلاء في سيرتهم مقتضى العدل ليس هو التنصيف في مطلق الموارد ; حيث إنّه ربما يكون التنصيف في نظر العقل خلاف مقتضى العدل ، بل إنّما الذي يراه العقل مقتضى العدل في مصبّ هذه القاعدة هو التقسيم بالسوية ; لأنّ به يعطى كلَّ ذي حقٍّ ما يستحقّه ظاهراً ، لا بالتنصيف .
فإذا تردّد مالٌ بين ثلاثة أشخاص يكون مقتضى العدل في نظر العقل هو التقسيم أثلاثاً ، وإذا تردد بين أربع يرى العقل مقتضى العدل التقسيم بينهم أرباعاً . فهذا هو الانصاف الملائم للعدل ، لا التنصيف .
وقد سبق في كلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنّ العدل يضع الأمور مواضعها وهذا يلائم الانصاف بالمعنى المقصود في المقام ; لأنّ إعطاءَ كلّ ذي حق ما يستحقه ليس إلاّ وضع الحقوق في مواضع استحقاقها . وكذا لو تردد درهمٌ بين شخصين كان لأحدهما أربع دراهم وللآخر درهمٌ واحد ، ففقدت الدراهم ولم يبق عند الودعي إلاّ درهمٌ واحد ، فمقتضى العدل حينئذ تقسيم الدرهم بينهما أخماساً وإعطاء صاحب الأربعة أربع أسهم وصاحب
مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية — صفحة 206
مساهمون: علي أكبر السيفي المازندراني
ص٢٠٦