والثالث قيل : إن الصداق كان للأولياء في شرع من كان قبلنا ، بدلالة قول شعيب
حين زوج موسى بنته " على أن تأجرني ثماني حجج " ( 1 ) ولم يقل تأجر بنتي ، فكان
معنى نحلة : أن الله أعطاهن هذا في شرعنا نحلة .
فإذا ثبت هذا فالمستحب أن لا يعرى نكاح من ذكر مهر ، لأنه إذا عقد مطلقا
ضارع الموهوبة ، وذلك يختص النبي صلى الله عليه وآله ، فلذلك يستحب ذكره ، ولئلا يرى
الجاهل فيظن أنه يعرى عن المهر ، ولأن فيه قطعا لمواد المشاجرة والخصومة .
ومتى ترك ذكر المهر وعقد النكاح بغير ذلك فالنكاح صحيح إجماعا لقوله
تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة " ( 2 )
ومعناه " ولم تفرضوا لهن فريضة " بدلالة قوله " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى
المقتر قدره " ولا متعة لمن طلقها قبل الدخول إلا التي لم يسم لها مهرا .
إذا عقد النكاح بمهر فاسد مثل الخمر والخنزير والميتة كان العقد صحيحا
ووجب لها مهر المثل ، وقال قوم لا يصح النكاح ، وإليه ذهب قوم من أصحابنا .
الصداق عندنا غير مقدر فكل ما صح أن يكون ثمنا لمبيع أو أجرة لمكتري
صح أن يكون صداقا عندنا قليلا كان أو كثيرا ، وفيه خلاف ، والكثير أيضا لا حد
له عندنا لقوله تعالى " وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا " ( 3 ) وقيل إن القنطار
سبعون ألفا ، وقال قوم مائة رطل ، قال قوم هو ملء مسك ثور ذهبا ، وهو إجماع لقصة
عمر مع المرأة التي حجته فقال : كل أحد أفقه من عمر حتى النساء أفقه من عمر .
وروي أن عمر تزوج أم كلثوم بنت علي عليه السلام فأصدقها أربعين ألف درهم
وأنس بن مالك تزوج امرأة على عشرة ألف ، وكان ابن عمر زوج بنات أخيه عبيد الله
كل واحدة على عشرة ألف وتزوج الحسن بن علي عليه السلام امرأة فأصدقها مائة جارية
مع كل جارية ألف درهم ، وتزوج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة فأصدقها مائة
ألف دينار ، فقتل عنها فتزوجها رجل من تميم ، فأصدقها مائة ألف دينار .
هامش
( 1 ) القصص : 27 .
( 2 ) البقرة : 236 .
( 3 ) النساء : 24 .