يشرط القلع أو يشرط التبقية أو يطلق : فإن شرط القلع جاز ذلك ، لأن الزرع قد
يقصل قبل بلوغه وينتفع يالقصيل وهو مقصود ( 1 ) وإن شرط التبقية كان العقد باطلا لأنه
عقد الإجارة مدة على أن ينتفع بالأرض مدة أخرى ، وذلك لا يجوز كما لا يجوز أن
يستأجر دارا ويشرط أن ينتفع بدار أخرى للمكري .
فإذا ثبت أن العقد باطل فإن له أن يمنعه من الزرع ، لأنه لا يملك الانتفاع
لفساد العقد ، فإن زرع قبل أن يمنعه من ذلك لم يكن له قلعه ، لأن العقد وإن كان
فاسدا فإن الإذن باق ، وقد زرع بإذن صاحب الأرض ، فيكون له التبقية إلى بلوغ
الحصاد ، وعليه أجرة المثل لتلك المدة .
وأما إذا أطلق ذلك ، فإن الإجارة صحيحة ، لأنه يجوز أن يزرعها للقصيل ، فإذا
انقضت المدة فهل له أن يجبره على القلع أم لا ؟ قيل فيه وجها ن أحدهما أن له أن
يجبره على القلع لأن التحديد يقتضي التفريغ عقيب مضي المدة ، والثاني لا يجبر على
ذلك ، لأن المكري لما دخل في هذا العقد ولم يشرط قلع الزرع مع علمه أن ذلك
الزرع الذي سماه لا يبلغ في ذلك الوقت ، كان رضى منه بالتبقية .
فإذا قيل يجبره فالحكم على ما مضى في الأقسام ، وإذا قيل لا يجبره فالحكم على
ما مضى في الأقسام التي جعل له التبقية فيها .
إذا اكترى أرضا لا ماء لها إلا المطر ، وهي مثل المزارع التي تكون على الظراب ( 2 )
أو اكترى أرضا تسقى بماء النهر غير أنه لا يبلغها إلا إذا زاد الماء في النهر زيادة مفرطة
نادرة ، فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يشترط في العقد أنه يعقد عليها للزارعة
أو يذكر في العقد أنه لا ماء لها أو يطلق .
فإن شرطا في العقد أنها للزراعة ، كان العقد باطلا ، لأنه عقد على منفعة
لا يمكن استيفاؤها ، فهو مثل إجارة الآبق للخدمة ، وإن ذكر المكري أنها أرض بيضاء
هامش
( 1 ) القصيل : الشعير يجز أخضر لعلف الدواب سمي به لسرعة اقتصاله من رخاصته ،
والفقهاء تسمي الزرع قبل إدراكه قصيلا وهو مجاز . قاله في الأقرب .
( 2 ) الظراب جمع الظرب - ككتف - الجبل المنبسط أو الرابية الصغيرة .