يعود الإسلام إلى قوّة وانتظام ، فوقف عليّ بين هذين الخطرين ، فكان من الطبيعي له أن يقدّم حقّه قربانا لحياة المسلمين ( 1 ) .
لكنّه أراد الاحتفاظ بحقّه في الخلافة ، والاحتجاج على من عدل عنه بها على وجه لا تشقّ بهما للمسلمين عصا ، ولا تقع بينهم فتنة ينتهزها عدوّهم ، فقعد في بيته حتّى أخرجوه كرها بدون قتال ، ولو أسرع إليهم ما تمّت له حجّة ، ولا سطع لشيعته برهان ، لكنّه جمع فيما فعل بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقّه من خلافة المسلمين ، وحين رأى أنّ حفظ الإسلام ، وردّ عادية أعدائه موقوفان في تلك الأيّام على الموادعة والمسالمة ، شقّ بنفسه طريق الموادعة ، وآثر مسالمة القائمين في الأمر ؛ احتفاظا بالامّة ، واحتياطا على الملّة ، وضنّا بالدين ، وإيثارا للآجلة على العاجلة ، وقياما بالواجب - شرعا وعقلا - من تقديم الأهمّ في مقام التعارض على المهمّ ، فالظروف يومئذ لا تسع مقاومة بسيف ، ولا مقارعة بحجّة .
2 - ومع ذلك فإنّه وبنيه ، والعلماء من مو اليه ، كانوا يستعملون الحكمة في ذكر الوصيّة ، ونشر النصوص الجليّة ، كما لا يخفى على المتتبّعين ، والسلام . « ش »
شرح
( 1 ) وقد صرّح عليه السلام بذلك في كتاب له بعثه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولّاه إمارتها ، إذ قال : « أمّا بعد ، فإنّ اللّه سبحانه بعث محمّدا صلى الله عليه وآله وسلم نذيرا للعالمين ، ومهيمنا على المرسلين ، فلمّا مضى صلى الله عليه وآله وسلم تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فو اللّه ما كان يلقى في روعي ، ولا يخطر ببالي ، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل بيته ، ولا أنّهم منحّوه عنّي من بعده ، فما راعني إلّا انثيال الناس على فلان يبايعونه فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشّع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق ، واطمأنالدين وتنهنه » إلى آخر كلامه ، فراجعه في نهج البلاغة « 1 » .
هامش
( 1 ) - . نهج البلاغة : 626 ، الكتاب 62 .