صفر سنة إحدى عشرة للهجرة ، فلمّا كان من الغد دعا اسامة ، فقال له : « سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد ولّيتك هذا الجيش ، فاغز صباحا على أهل ابني ( 1 ) وحرّق عليهم ، وأسرع السير لتسبق الأخبار ، فإن أظفرك اللّه عليهم ، فأقلَّ اللبث فيهم ، وخذ معك الأدلّاء ، وقدّم العيون والطلائع معك » .
فلمّا كان اليوم الثامن والعشرين من صفر ، بدأ به صلى الله عليه وآله وسلم مرض الموت فحمّ - بأبي وامّي - وصدع ، فلمّا أصبح يوم التاسع والعشرين ووجدهم مثّاقلين ، خرج إليهم فحضّهم على السير ، وعقد صلى الله عليه وآله وسلم اللواء لاسامة بيده الشريفة ؛ تحريكا لحميّتهم ، وإرهافا لعزيمتهم ، ثمّ قال : « اغز بسم اللّه وفي سبيل اللّه ، وقاتل من كفر باللّه » .
فخرج بلوائه معقودا ، فدفعه إلى بريدة ، وعسكر بالجرف « 1 » ، ثمّ تثاقلوا هناك فلم يبرحوا ، مع ما وعوه ورأوه من النصوص الصريحة في وجوب إسراعهم ، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم :
« اغز صباحا على أهل ابني » ، وقوله : « وأسرع السير لتسبق الأخبار » إلى كثير من أمثال هذه الأوامر التي لم يعملوا بها في تلك السريّة « 2 » .
وطعن قوم منهم في تأمير اسامة ، كما طعنوا من قبل في تأمير أبيه ، وقالوا في ذلك فأكثروا ، مع ما شاهدوه من عهد النبيّ له بالإمارة ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم له يومئذ : « فقد ولّيتك هذا الجيش » . ورأوه يعقد له لواء الإمارة - وهو محموم - بيده الشريفة ، فلم يمنعهم ذلك من الطعن في تأميره حتّى غضب صلى الله عليه وآله وسلم من طعنهم غضبا شديدا ،
شرح
( 1 ) ابني - بضمّ الهمزة وسكون الباء ثمّ نون مفتوحة بعدها ألف مقصورة - : ناحية بالبلقاء من أرض سوريّا بين عسقلان والرملة ، وهي قرب مؤتة التي استشهد عندها زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب عليه السلام ذو الجناحين في الجنّة « 3 » .
هامش
( 1 ) - . موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام . معجم البلدان 128 : 2 .
( 2 ) - . راجع : السيرة الحلبيّة 227 : 3 ؛ الطبقات الكبرى 190 : 2 - 191 .
( 3 ) - . راجع معجم البلدان 79 : 1 .