مِنْ شَيْءٍ
» « 1 » ، وقال عزّ من قائل : «
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
» « 2 » فغير صحيح ؛ لأنّ الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال ، ولا تضمنان الهداية للناس فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتمادا عليهما ؟ ولو كان وجود القرآن العزيز موجبا للأمن من الضلال ، لما وقع في هذه الامّة من الضلال والتفرّق ما لا يرجى زو اله ( 1 ) .
وقالوا في الجواب الأخير : إنّ عمر لم يفهم من الحديث أنّ ذلك الكتاب سيكون سببا لحفظ كلّ فرد من امّته من الضلال ، وإنّما فهم أنّه سيكون سببا لعدم اجتماعهم بعد كتابته على الضلال .
قالوا : وقد علم رضي الله عنه أنّ اجتماعهم على الضلال ممّا لا يكون أبدا ، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب ، ولهذا عارض يومئذ تلك المعارضة .
وفيه - مضافا إلى ما أشرتم إليه - : أنّ عمر لم يكن بهذا المقدار من البعد عن الفهم ، وما كان ليخفى عليه من هذا الحديث ما ظهر لجميع الناس ؛ لأنّ القروي والبدوي
شرح
( 1 ) وأنت - نصر اللّه بك الحقّ - تعلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل : إنّ مرادي أن أكتب الأحكام ، حتّى يقال في جوابه : حسبنا في فهمها كتاب اللّه تعالى ، ولو فرض أنّ مراده كان كتابة الأحكام ، فلعلّ النصّ عليها منه كان سببا للأمن من الضلال ، فلا وجه لترك السعي في ذلك النصّ اكتفاء بالقرآن ، بل لو لم يمكن لذلك الكتاب إلّا الأمن من الضلال بمجرّده ، لما صحّ تركه والإعراض عنه ، اعتمادا على أنّ كتاب اللّه جامع لكلّ شيء .
وأنت تعلم اضطرار الامّة إلى السنّة المقدّسة ، وعدم استغنائها عنها بكتاب اللّه تعالى وإن كان جامعا مانعا ؛ لأنّ الاستنباط منه غير مقدور لكلّ أحد . ولو كان الكتاب مغنيا عن بيان الرسول ، ما أمره اللّه تعالى ببيانه للناس إذا قال عزّ من قائل : «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» « 3 » .
هامش
( 1 ) - . الأنعام 38 : 6 .
( 2 ) - . المائدة 3 : 5 .
( 3 ) - . النحل 44 : 16 .