الوجه الأول : وهو الأنسب بالفهم الفقهي العرفي ، وهو أن يقال : إن لفظ الحاكم يمكن فهمه فهما غريبا ، من خلال الحكام والحكومات المتعارفة في المجتمع ، فيكون جعله حاكما يعني أنه مجعول على غرار هذه الحكومات .
والكبرى أو القاعدة العامة في هذا الوجه ، وإن كانت صحيحة ، وهو الالتزام بالفهم العرفي ، إلا أنه يمكن أن يقال : إنها هنا لا صغرى لها أو أن صغراها وتطبيقها مردد ترديدا يجعله في غاية الإجمال .
وذلك لأن الحكومات في التاريخ ليست على غرار واحد من حيث الشعور بالسلطة والتصرف في أمور الناس . ففيها الملكية والجمهورية وفيها الدكتاتورية والديموقراطية وفيها الرأسمالية والاشتراكية ، إلى غير ذلك من التقسيمات ، فلا يبقى هناك مجال لفهم احتمال معين من هذه الاحتمالات من النص بل سيكون النص مرددا مجملا من هذه النواحي .
وأحسن ما يقال في جواب تلك : إن الحكومات وإن تعددت إشكالها إلا أن المهم هو النظر إلى الحكومات التي كانت معهودة للناس في المجتمع الذي صدر فيه النص ، فينصرف لفظ الحاكم الوارد في الرواية إلى ذلك الوضع بالتعيين .
وهذا ، كما هو واضح ، لا يعني إجازة ذلك الوضع ، وتنفيذ أعماله ، وإنما يعني جعل حاكم صحيح من الناحية الشرعية على غراره .
إلا أن هذا أيضا لا يحل المشكلة لعدة وجوه منها :
أولا : إن الحكومات التي كانت معهودة في ذلك الحين عديدة ، لا نعلم أيها يكون مقصودا ، وأيها هو المجعول على غراره ، فهناك الدولة الإسلامية وهي بعنوان الخليفة ، وهناك الدولة الرومانية وهي بعنوان الإمبراطورية ، وهناك الدولة الفارسية التي لم تكن بعيدة عن الأذهان يومئذ ، وإن كانت قد انتهت قبل أعوام ، وكانت بعنوان الكسروية إذن يبقى التردد من هذه الناحية باقيا .
ما وراء الفقه — صفحة 68
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٦٨