النقطة الثانية : سبق أن ذكرنا إجمالا ونكرر الآن ليتضح في ذهن القاري أن التكييفات عموما إذا كانت مخالفة لمقاصد المتعاملين عمليا ، فإنها لا يمكن أن تصدق
وإنما تصدق فقط في صورة العلم بها وتنفيذها وقصدها .
النقطة الثالثة : أن التكييف يعرض كأطروحة محتملة وليس كشيء ناجز
إلَّا بعد توفر القرائن والأدلة الكافية على ما هو حجة منها .
ومعنى الأطروحة ، هو إيجاد فكرة متكاملة عن حقل ما من حقول المعرفة ، يتصف هذا الحقل بأنه من الصعب الحصول على أمر جزمي بصدده . فنقول : إنه لعله كذا وكذا ، وهذه هي الأطروحة . ثم نحاول جمع القرائن والدلائل على صحتها مهما أمكن . وقد يكون للمفكر أن يطرح عدة أطروحات محتملة يحاول أن يقيم عليها الدلائل . وأي من هذه الأطروحات صحت فقهيا وقامت عليها الدلائل التي تكون حجة ومعتبرة شرعا ، كانت هي الصحيحة ، وإن لم يتم شيء من الأطروحات ، كان معنى ذلك بطلان التكيف الفقهي للواقع الحاضر ، وأن الواقع يخالف الفقه بقليل أو بكثير .
النقطة الرابعة : أن اختلاف الفتوى الفقهية بين الفقهاء لها الأثر الكبير في تغيير الأطروحة واختلاف تفاصيلها طبقا لما يراه أي فقيه من الحكم الذي تم الدليل عنده فيها . ولا يستطيع أن يدمج بها حكما ليس بحجة ، وإن كان أقرب إلى تذليل المشكلة ، لأنه عندئذ يفسد حجية جميع الأطروحة .
ولكن الفقيه الذي يرى صحة ذلك الحكم وقيام الحجة عليه ، يرى الأطروحة تامة من تلك الزاوية .
وعلى أي حال فالاختلافات بين الفقهاء في الفقه كثيرة جدا ، نتيجة لاختلافهم في فهم الكتاب الكريم والسنة الشريفة وفي تطبيق القواعد العامة على الفروع الفقهية مما يجعل لذلك انعكاسا مهما ، على مجال حديثنا لا محالة .