وهو يتناسب مع حرمة الغيبة تناسبا طرديا . فمن كانت له حرمة حرمت غيبته ، ومن انتفت حرمته جازت غيبته .
وأما الرواية الأولى ، فتعطي مفهوم الستر ( مما لا يعرفه الناس ) . وقد تفهم من الستر النوعي أو الشخصي .
فلو سرنا مع هذه الروايات ، عرفنا منها أن المتجاهر بالفسق لا حرمة له . ومن لا حرمة له جازت غيبته ، ومن جازت غيبته ، لم يفرق ذلك بين ذنوبه وعيوبه جميعا ، سواء كان هو الذي تجاهر به أو غيره ، وسواء كان من جنس العصيان وهو ما سميناه بالعيب الاختياري ، أو كان من العيوب الخلقية أو غير ذلك . لأنه لا حرمة له واللَّه سبحانه رفع عنه الستر النوعي التشريعي ، لأنه هتك نفسه بتجاهره بالفسق .
إلا أن الذي يهون الخطب هو إمكان المناقشة في إسناد هذه الروايات .
وإذا لم تتم إسنادها لم يبق عندنا إلا الإجماع على جواز غيبة المتجاهر بالفسق . وهو فعلا متحقق .
وقد يقال : إن هذا الإجماع ليس بحجة لأنه ليس تعبديا بل معتمدا ، ولو احتمالا ، على هذه الأخبار ، فلا يكون له قيمة أكبر منها .
وجواب ذلك : أن الإجماع أحيانا يكون أوسع وأهم من الأخبار المعتمد عليها ، بحيث يكون الفتوى على خلافه مجازفة فقهية واضحة ، حتى مع احتمال اعتماده على الأخبار .
وفي مثل ذلك ، يكون الإجماع حجة ، ولا أقل فإن في مخالفته مخالفة للاحتياط الوجوبي .
وهذه القاعدة منطبقة على المورد تماما ، لوضوح أن الفتوى بحرمة غيبة المتجاهر حتى فيما تجاهر فيه ، خلاف الاحتياط جدا ، وإن كانت هي في نفسها موافقة للاحتياط .
وإذا تم الإجماع ، كان الدليل على الحكم لبيا ، يجب الاقتصار منه
ما وراء الفقه — صفحة 118
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١١٨