ثانيا : أن قوله في الصحيحة : من جميع أهل الصلاة ظاهر الرجوع إلى الشاهدين العادلين يعني : من أي فئة من فئات المسلمين كانوا .
باختلاف بلدانهم ومذاهبهم ومستوياتهم .
وأما أن محل الشهادة أو مؤداها هي البلدان المتباعدة فهذا غير واضح بالمرة من الصحيحة .
وقد يقال : إنه كيف يذكر الإمام عليه السلام المذاهب الإسلامية الأخرى كأفراد ممن يقبل شهادته . وجوابه من عدة وجوه أوضحها : اشتراط العدالة في لفظ الرواية . وإذا توفرت العدالة جازت الشهادة . فإن تنزلنا عن ذلك ، أمكنت المناقشة في أصالة الجهة .
ثالثا : بالنسبة إلى الفقرة الثانية في الرواية وهي قوله : إلا أن يقضي أهل الأمصار . يأتي فيها ما قلناه هناك في الوجه الأول . من أنه لا يراد بها المدن البعيدة جدا . لأن هذا غير محتمل في وضع المجتمع يومئذ . وإنما يراد بها الأمصار التي تقع في منطقة مشتركة أو في أفق واحد باصطلاح الفقهاء .
وهنا يحسن أن نتعرض لعدة أمور بعضها مربوط باتحاد الآفاق وبعضها يختلف عنها . ونجعل ما يرتبط بها أولا .
الأمر الأول : ما الذي يقصده الفقهاء من اتحاد الآفاق . لا شكّ أن لكل منطقة صغيرة نسبيا أفقها الخاص بها . فإن الأفق ليس إلا المحل الذي ترى فيها السماء كأنها منطبقة على الأرض ، في نهاية مدّ البصر وهي مسافة قد لا تزيد في الأرض المنبسطة على كيلومترين ونصف أو ثلاثة . إذن ، فالأفق كدائرة حول الناظر لا يزيد قطرها على ستة كيلو مترات . وهي منطقة صغيرة نسبيا بحيث يمكن تقسيم الكرة الأرضية إلى آلاف مثلها .
إذن ، فالآفاق متعددة . فكيف تكون واحدة ؟
وفي الحقيقة لا تكون واحدة إلا مجازا . باعتبار وحدتها في الحكم
ما وراء الفقه — صفحة 153
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٥٣