وإذا أخذنا الجانب الأخلاقي الخالص ، لم نجد هذه الظواهر الذهنية ونحوها ، التي اهتم بها الفقه ، إلَّا مجرد ظواهر لأسباب أعمق منها ، مرتكزة في القلب أو النفس . وهي التي تكون منشأ لعدد لا يحصى من الأفكار والتصرفات في الفرد ، بل قد تكون هي المسيّرة له والحاكمة عليه طول عمره .
ومن هنا ، جاء مفهوم سلامة القلب ومفهوم مرضه ، الذين نطق بهما القرآن الكريم . قال الله سبحانه * ( إِذْ جاءَ رَبَّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) * « 1 » . ولئن كانت هذه الآية الكريمة خاصَّة بالنبيِّ إبراهيم الخليل - عليه السَّلام - ، فإنَّ هناك آية عامة . وهي قوله تعالى * ( إِلَّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) * « 2 » .
وكذلك طهارة القلب وهدايته قال سبحانه * ( ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ ) * « 3 » . وقال * ( ومَنْ يُؤْمِنْ بِالله يَهْدِ قَلْبَه ) * « 4 » .
وفي مقابل ذلك مرض القلب . قال سبحانه * ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ الله مَرَضاً ) * « 5 » . وقال * ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) * « 6 » . وكذلك الزيغ : قال سبحانه * ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَه مِنْه ) * « 7 » .
والنفاق : قال سبحانه * ( فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَه ) * « 8 » .
والريب : قال تعالى * ( وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) * « 9 » . إلى غير ذلك من أمراض القلب وأسوائه .
وللجانب الأخلاقي مستويات متعددة ، تتصاعد مع الإنسان بتصاعد معنويات إيمانه . بل ذكرنا في بعض كتاباتنا أنَّ الكمال غير متناهي الدرجات ، فكلَّما وصل الفرد إلى درجة استحق بعمله أن يدخل الدرجة الأخرى . فإن عمل له العمل اللائق به ، ناله لا محالة . لأنَّ الله تعالى كريم لا بُخلَ في ساحته ، فلا يحجب الأمر المستحق عن مستحقه .
هامش
« 1 » الصافات : 84 .
« 2 » الشعراء : 89 .
« 3 » الأحزاب : 53 .
« 4 » التغابن : 11 .
« 5 » البقرة : 10 .
« 6 » المائدة : 52 .
« 7 » آل عمران : 7 .
« 8 » التوبة : 77 .
« 9 » التوبة : 45 .