ومنها : أنهم يعتقدون بوجود الفاعلية والوعي لدى هذه الأصنام ، بحيث أنها تقرّبهم إلى الله زلفى .
وعلى أيِّ حال فعبادة الأصنام تعتبر من أنواع الشرك التي تكون مقترنة بالاعتقاد بوجود الله سبحانه . وإذا دخلنا في الحديث عن هذا القسم ، وبد أناة بالحديث عن عبادة الأصنام ، كما أشرنا قبل قليل . بقي علينا أن نعد الأقسام الأخرى . وأهم ما تصوّره الفلاسفة والمتكلمون شركا بهذا الصدد ، واعتبروه المثال الأمثل والأفضل للشرك الصريح . هو : الإيمان بوجود إله آخر مع الله سبحانه ، يتَّصف بنفس صفاته وخصائصه لو صحّ التعبير . وعقدوا في علمي الفلسفة وعلم الكلام فصولا مطولة للبرهان على التوحيد . وأنَّ ( شريك الباري ) بهذا المعنى غير متحقّق وأنه مستحيل بالذات .
وهذا صحيح تماما والدليل كامل الصحة ، كما أنَّ الاعتقاد به هو الشرك الصريح بالمعنى الكامل . كما أن مناقشة هذا الاحتمال كمجرد احتمال نظري يعتبر خدمة للعقائد الدينية بلا إشكال . إلَّا أن الذي يهون الخطب ، أنه لا يوجد بين البشر معتقد بهذا الاعتقاد على الإطلاق . بل هي مشكلة غير معروضة اجتماعيّا وعقائديا على الإطلاق . وسنذكر فيما يلي ما وصلنا من معتقدات التنويه وغيرها ، وليس فيها الاعتقاد بمثل هذا المعتقد . ولعل هذا هو المراد من قوله تعالى * ( أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله آلِهَةً أُخْرى ) * « 1 » . أو قوله تعالى * ( وقالَ الله لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِله واحِدٌ ) * « 2 » . أو أنَّ المراد بها مطلق التثنية والتثليث . يعني بشكل يندرج فيه هذا المسلك وغيره .
بل لعلها أقرب إلى غيره من العقائد . أما الآية الأولى فبقرينة الجمع في قوله :
* ( آلِهَةً أُخْرى ) * . والمفروض في هذا المسلك وجود اثنين فقط . وأمَّا الآية الثانية فباعتبار قوله تعالى * ( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ الله ) * « 3 » . حيث يكون المراد نفي التثنية بهذا المعنى . أو نفيها بأيِّ معنى آت ممّا هو موجود ومعروض في المجتمع ، لا ما هو غير موجود على الإطلاق ، وإن كان مندرجا فيه نظريّا بطبيعة الحال .
هامش
« 1 » الأنعام : 19 .
« 2 » النحل : 51 .
« 3 » المائدة : 116 .