فعل الله ، وما كان يشاء شيئا إلا أن يشاء الله ، وهذه المقدمة لا ريبة فيها ولا شبهة
تعتريها ، بل هي ضرورية بديهية عند أهل الشريعة .
الثانية : انه لا شك في عصمة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ومعصوميتها
وطهارتها من كل معصية ورذيلة ، اما عندنا فللأخبار المتواترة من طرق أصحابنا ،
والإجماع القطعي بل الضرورة ، وقد ورد في فضلها ( عليها السلام ) بخصوصها أو
في ضمن أهل بيت العصمة والطهارة مالا يعد ولا يحصى من الأخبار والآثار
حتى صار كالشمس في رابعة النهار ، وقد مر نبذ منها في مقدمة الكتاب ، وهو في
الحقيقة فصل الخطاب عند أولي الألباب .
وأما عند العامة فكذلك أيضا ، وقد اتفق أعاظمهم وفاقا لنا على أن آية
التطهير الدالة على العصمة والطهارة - الخلقية والخلقية - والنظافة الجبلية الأصلية
إنما نزلت في فاطمة وسائر أهل البيت ( عليهم السلام ) من أهل الكساء ، ولبيان
تفصيل كيفية الاستدلال بها على المدعى محل آخر لا حاجة لنا إليه بل مطلقا لما
أشير إليه من عدم الكلام في معصوميتها ( عليها السلام ) بين الأمة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) ولكن مع الأسف الشديد تكلم في الآونة الأخيرة بعض من ليس له تحصيل ولا فضيلة
حول عصمة الصديقة الطاهرة الشهيدة ( عليها السلام ) ، وهو وإن لم يمكنه نفي العصمة عنها
ولكنه حاول التشكيك فيها ببيانه وبنانه الخاسر ، حيث قال : ( ( ان العصمة التي تجلت في
الزهراء ( عليها السلام ) قد أنتجتها البيئة والمحيط الايماني الذي عاشت وترعرعت فيه ،
لأنها كانت بيئة الايمان والطهر والفضيلة والصلاح ) ) وهذا القول يستتبع سؤالات عديدة ، فلو
عاشت الزهراء ( عليها السلام ) في غير هذه البيئة وفي محيط ملوث بالرذيلة والموبقات ، أو
لو عاش غيرها في هذه البيئة بالذات ، فماذا سوف يحدث ، وهذا القول يستلزم نفي العصمة
التكوينية .
ولأجل هذه الشبه تصدى علماؤنا لإزاحتها ، وألفوا في ردها كتبا ورسائل قيمة نحو
كتاب ( الملاحظات ) وكتاب ( مأساة الزهراء ) وغير ذلك .
واما بالنسبة إلى خصوص عصمة الزهراء ( عليها السلام ) فتكفينا آية التطهير ، وهي قوله
تعالى : ( ( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وطهركم تطهيرا ) ) مضافا إلى أحاديث
كثيرة وردت في هذا الموضوع نحو ما جاء في زيارتها ( عليها السلام ) : ( ( السلام على البتولة
الطاهرة ، والصديقة المعصومة ) ) [ البحار 100 : 197 ] ، وأيضا : ( ( السلام عليك أيتها المعصومة
المظلومة ) ) وفيه أيضا : ( ( . . . وصل على البتول الطاهرة الصديقة المعصومة ) ) [ البحار 100 :
200 ] ، وأيضا : ( ( اللهم صل على السيدة المفقودة الكريمة . . . المعصومة من كل سوء ) ) [ البحار
102 : 220 ] ، وما جاء أيضا في حديث ولادتها حيث قالت النسوة : ( ( خذيها يا خديجة
طاهرة معصومة ) ) [ العوالم 11 : 59 ] ، وما ورد عن الإمام الباقر ( عليها السلام ) أنه قال : انما
سميت فاطمة بنت محمد الطاهرة لطهارتها من كل دنس . . . [ العوالم 11 : 82 عن مصباح
الأنوار ] ، وعنه ( عليه السلام ) أيضا قال : المعصومون منا خمسة : رسول الله ، وعلي ، وفاطمة ،
والحسن ، والحسين ( عليهم السلام ) . [ العوالم 11 : 86 ] ، وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
أيضا : منا خمسة معصومون ، قيل : يا رسول الله من هم ؟ قال : أنا وعلي وفاطمة والحسن
والحسين . [ العوالم 11 : 86 ] .
هذا غيض من فيض ولو أردنا المزيد لطال بنا المقام ، فتلخص ان عصمتها ( عليها السلام )
لا ترتبط بالبيئة والجو الحاكم بها ومعاشرتها مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فانا نرى
بعض أزواج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عشن معه مدة مديدة من سنين مبكرة ولكن لم
تنفعهن هذه العشرة ، فخالفن قوله وخرجن لمحاربة وصيه وفعلن ما فعلن عند دفن الإمام الحسن
الزكي ( عليه السلام ) ، حتى قال علي ( عليه السلام ) بعد وقعة البصرة : ( ( واما فلانة
فأدركها رأي النساء وضغن غلافي صدرها كمرجل القين ، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت
إلي لم تفعل ) ) [ نهج البلاغة الخطبة : 156 ] ، وقال العلامة المجلسي ( رحمه الله ) في البحار 32 :
242 بعد هذا الحديث : ( ( من أسباب حقدها . . . إكرام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة
( عليها السلام ) وحسدها عليها ) ) .