وروى أن عثمان لما ضرب رقية زوجته وهي بنت النبي ( صلى الله عليه وآله )
ضربا مبرحا حتى أثر السياط في بدنها على غير جناية تستحقها ، فأتت إلى النبي
( صلى الله عليه وآله ) شاكية قال : لا يليق بالمرأة أن تشكو من زوجها ( 1 ) .
وهكذا كان يفعل أبدا ، مع أن فاطمة ( عليها السلام ) كانت مطهرة معصومة من
أدناس نساء الدنيا ، فكيف جاز منها اعمال هذه الغيرة البشرية من غير أن تتفحص
عن حقيقة الحال ؟ ! .
ثم نقول : إن وقوع الواقعة على ما نقل لا يقدح أيضا بأحد الطرفين ، اما علي
( عليه السلام ) فلأن هذا أمر مباح أباحه الشريعة وإن كتب الغيرة على الزوجة
أيضا ، فللرجل أن يتزوج على المرأة وللمرأة أن تأخذها الغيرة ، وأما فاطمة
( عليها السلام ) فأولا : بأن الغيرة من الصفات الفاضلة ، وكان النبي
( صلى الله عليه وآله ) يتمدح بها ويقول : ( إن سعد الغيور وأنا أغير من سعد ) .
والتمدح بالغيورية ونفس صفة الغيورية من الأمور المباحة ، وإلا فلا يتمدح
النبي بالأمور المحرمة على الصحابة ( 2 ) .
هامش
( 1 ) الخرائج 1 : 96 ضمن حديث 156 ، عنه البحار 22 : 159 ضمن حديث 19 .
( 2 ) أقول : هذا الاستدلال مخدوش من عدة جهات :
أولا : إن الغيرة الممدوحة مختصة بالرجال لا النساء فإن غيرتهن كفر ، كما جاء في نهج
البلاغة في قصار الحكم : ( ( غيرة المرأة كفر وغيرة الرجل إيمان ) ) وقال ( عليه السلام ) أيضا
في الغرر : ( ( غيرة المرأة عدوان ) ) وقال الباقر ( عليه السلام ) : ( ( غيرة النساء الحسد ، والحسد
هو أصل الكفر ، إن النساء إذا غرن غضبن ، وإذا غضبن كفرن إلا المسلمات منهن ) ) .
وثانيا : لو كانت الغيرة - حتى في النساء - من الصفات الفاضلة ، لكانت عائشة أكثر فضلا
من الزهراء ( عليها السلام ) لشدة غيرتها وحسدها على خديجة وفاطمة ( عليها السلام ) ،
والشاهد على ذلك قول علي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة : ( ( وأما فلانة فأدركها رأي النساء ،
وضغن غلا في صدرها كمرجل القين ) ) ثم قال العلامة المجلسي ( رحمه الله ) في ذيل
الحديث : قوله ( عليه السلام ) : ( ( وضغن ) ) أي حقد ، وكان من أسباب حقدها لأمير المؤمنين
( عليه السلام ) سد النبي ( صلى الله عليه وآله ) باب أبيها من المسجد وفتح بابه ، وبعثه بسورة
براءة بعد أخذها من أبي بكر ، وإكرام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة ( عليها السلام ) وحسدها عليها . . . [ راجع البحار 32 : 242 ] .
وثالثا : إن الزهراء التي هي الحجة على الأئمة ( عليهم السلام ) - كما ورد ذلك عن الإمام
العسكري ( عليه السلام ) - والتي قال الإمام الحجة فيها : ( ( في ابنة رسول الله
( صلى الله عليه وآله ) لي أسوة حسنة ) ) والتي ( ( فطم الخلق عن معرفتها ) ) والتي ( ( دارت القرون
الأولى على معرفتها ) ) والتي قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي في حقها : ( ( يا علي وأنفذ
لما أمرتك به فاطمة ) ) كيف تصدر منها هذه الأمور ؟ ! .